هل تتصوّر أن القلم لم يأخذ احتياطاته قبل المنازلة؟ لقد تترّس وتدرّع، وتقلّد السيف في غمده، والرّمح في قرابه، وتخوّذ بعدما تعوّذ. لكن ويحه، ما هذا الاستدعاء للمطمورات اللغوية، والأحفوريات المعجمية؟ قال: ألا ترى الأمّة لا تكترث لأهمّ أركان السيادة، الأمن القومي؟ الغريب أن القوم أطلقوا عليه هذا الاسم، ثم نسوا أنه منسوب إلى القوم، إلى المنظومة، لا إلى الوحدات المتفرّقة. عجيب، أن رواسي آلاف السنين، تتلاعب بها ريح ثمانية عقود.
لعلّ العنوان تشوبه نظرية المؤامرة. لكن المثقفين العرب، الذين استوردوا تيارات الحداثة وما بعدها، ربما كانوا، ولأسباب مجهولة، معصوبي الأعين. لأن البضاعة عبرت الحدود من دون فحص وتفصيص وتمحيص. علّل البعض ذلك بأن نواطير جمارك النقد كانوا نائمين، لاطمئنانهم إلى أن سلع الخواجات كلها «نخب أول»، فالخواجات هم الذين أنعموا على العالم بجحافل الفلاسفة، وروائع الأدب الكلاسيكي، بجيوش جرّارة من خمسة وعشرين ألف مؤلف موسيقى سيمفونية، من بينهم ألفان وخمسمئة مؤلف أوبرا، وصفوة علماء رياضيات وفيزياء، من أوائلهم جاليليو جاليلي وتيكو براهه ونيوتن، وليس آخرهم ماكسويل وأينشتاين وستيفن هوكينج. فكيف تسيء الظن بإبداعات الدادائيين والسورياليين والتجريديين والقصيدة البصرية وموسيقى المونتاج؟ هل تريد أن يرقص المراهقون على سيمفونيات بيتهوفن وتشايكوفسكي، وينفضوا من حول مايكل جاكسون؟
لكن، رويدك، تستطيع أن تنتقي ما طاب لك من الأزياء، من أفخر الدور وأفخمها، إلى ثياب الإمبراطور الجديدة، قصة كريستيان أندرسن. إنما يجب أن تحدّد النموذج الفكري، الذي تتمحور فيه تلك التيارات. عليك أن تختار: هل النصوص الحداثوية حلقة مغلقة أو برج عاجي ثقافي منعزل، أم هي قادرة على مخاطبة الجميع، قابلة لأن يستوعبها الكل ويتلقاها ذوقياً وفكرياً؟ مثلاً: هل تصلح أعمالهم (أو أفعالهم) لمواكبة حركة الشعوب وحياتها؟ أغلبية الشعوب العربية، ليست مثل ألمانيا وسويسرا والبلاد الإسكندنافية، فهذه المستوردات لا محل لها من الإعراب. حتى في تلك الدول: هل تصلح نصوصهم للتعبير عن العواطف الرومانسية الخاصة كالشعر الغنائي، الوطني، الطبيعة، أو الإنسانية العامّة؟ هل يمكن تفريع أدب أطفال منها؟ أضعف الإيمان، هل تستطيع أن تصنع بأساليبها شعارات وهتافات لتشجيع منتخب في كأس العالم؟
لزوم ما يلزم: النتيجة الجزائية: نصوص الحداثة، لو كانت مدارس الفنون مباريات، لكانت الحداثة أشبه بركلة حاسمة كرتها تضرب العارضة.
