في السياسة، لا تُقاس كل الرسائل بما تقوله الكلمات. أحياناً تختصر نغمة واحدة ما تعجز عنه عشرات البيانات، وتنجح لحظة إنسانية صغيرة في بناء صورة لا تصنعها غرف المفاوضات.
وفي زمن أصبحت فيه الشاشات ساحة للغضب والانقسام، جاءت لحظة استقبال قادة مجموعة السبع في إيفيان الفرنسية، بالأمس، لتكشف وجهاً آخر للدبلوماسية الرقمية؛ دبلوماسية لا تُمارس بالتصريحات الحادّة، بل بالتفاصيل التي تقول للآخر: نعرفك، نحترمك، ونرحّب بك.
لم تكن أغنية «حي بالشهامة» التي رافقت استقبال صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، مجرّد خلفية موسيقية لفيديو قصير. كانت رسالة بلُغة مختلفة؛ لغة تفهم أن الهوية ليست هامشاً في السياسة، بل جزء من السياسة نفسها.
ولم يكن هذا الأسلوب خاصاً باستقبال واحد. فقد توالت المقاطع على حساب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الخاصة بقادة آخرين، بينهم الرئيس المصري، ورئيس البرازيل، ورئيس الوزراء الهندي، والرئيس الأوكراني، رسائل ترحيب مختلفة في اللغة والشكل، لكنها متشابهة في المعنى، لتؤكد الدبلوماسية الرقمية الفرنسية أنها لم تعُد تخاطب المسؤولين فقط، بل تخاطب الشعوب التي تقف خلفهم.
وهذا تحديداً، هو النوع من الدبلوماسية الذي يحتاج إليه العالم اليوم؛ دبلوماسية لا تبحث عن مساحة للانتصار على الآخر، بل عن مساحة للالتقاء معه. فالعالم لم يعُد يعاني نقصاً في الأصوات، بل فائضاً في الضجيج. ولم تعُد المعركة اليوم في الوصول إلى الشاشات، فالجميع حاضر فيها. المعركة الحقيقية هي: ماذا تحمل الدول معها عندما تظهر أمام العالم؟ فهناك من يدخل الفضاء الرقمي بلغة المواجهة والضغط، وهناك من يراه فرصة لمدّ الجسور، وإعادة الاعتبار للغة الاحترام.
لقد تحولت المنصات الرقمية، في السنوات الأخيرة، إلى ساحات للمواجهة؛ تُستخدم أحياناً لتوسيع الخلافات، وتكريس الصور النمطية، وتحويل السياسة إلى سباق في تسجيل النقاط. لكن المشهد الذي ظهر خلال استقبال قادة مجموعة السبع قدّم تذكيراً مهماً بأن التكنولوجيا ليست هي المشكلة، بل الطريقة التي نختار بها استخدامها.
فالشاشة التي تستطيع أن تكون ساحة للانقسام، يمكن أن تكون أيضاً جسراً للتقارب. والكلمة التي قد تُستخدم لإشعال أزمة، يمكن أن تتحول إلى تحية تفتح باباً للحوار.
وفي النهاية، التاريخ لا يتذكر من امتلك القوة في لحظة ما فقط، بل من عرف كيف يحوّل القوة إلى جسر... لا إلى جدار.
