هل نحن مرتاحون فعلاً، أم أننا خائفون وأطلقنا على خوفنا اسم الحكمة؟
قال لي صديق ذات يوم بهدوء تام: «حان وقت الراحة، لقد أنجزت ما علي». بنى بيته، استقر، وأغلق الباب. وحين سألته: ماذا تقصد بأنجزت ما علي؟ لم ينظر إليّ وصمت.
نحن بارعون في تجميل الحقيقة، نسمي عدم خوض التجارب استقراراً لنهرب من مواجهة الفشل. في النهاية لا نفعل شيئاً سوى ترتيب أثاث سجننا بكلمات مريحة.
الجيل السابق في مجتمعنا الخليجي اختار الاستقرار لأن الحاجة دفعته إليه. كان خوف الفقر وراء كل محاولة، لكن الإيمان بما ينتظره في المجهول كان أقوى من الخوف. الاستقرار عنده كان نقطة وصول تُستحق بعد تعب. أما كثير من أبناء الجيل الحالي فقد بدأوا حياتهم من مساحة استقرار أوسع مما عرفه آباؤهم، فأصبح الاستقرار نقطة بداية لا نقطة وصول. ومن يبدأ من الاستقرار لا يعرف معنى المجازفة لأنه لم يحتج يوماً الى أن يقفز في المجهول. أتقنا فن الحفاظ على المكتسبات وخسرنا جرأة البناء، وأقنعنا أنفسنا بأن الحذر من التجربة هو عين العقل. والفرق واضح: من يرتاح بعد التعب، ومن يرتاح قبل أن يبدأ.
للفشل ثقل في مجتمعاتنا لأن تبعاته ليست فردية، تنعكس على الأسرة والمجتمع. في المجتمعات المحافظة همّ الفرد من هموم المجتمع، ينجح وحده لكنه يفشل مع الجميع. هذا الثقل الجماعي يجعل الخوف أكبر مما ينبغي ويجعل الاستقرار يبدو خياراً عاقلاً ومسؤولاً. لكننا لا نخاف التجربة بقدر ما نخاف الكلام الذي يأتي بعدها. وهنا يتسلل الخداع الذاتي، نقول لا نستطيع بدلاً من الاعتراف بأننا لا نريد مواجهة احتمال الفشل. أخطر أنواع الخداع هو الذي يلبس ثوب الفضيلة، حين نسمي خوفنا حكمة لا نعود نراه خوفاً، وما لا نراه لا نستطيع أن نتجاوزه.
يقول سارتر إن الإنسان محكوم عليه بالحرية، لا يستطيع الهروب من مسؤولية خياراته. لكن هذه الحرية مرعبة، فيختار الإنسان أن يتظاهر بأنه ليس حراً، أن يردد «لا أستطيع» ليهرب من ثقل القرار. حين نسمي خوفنا حكمة نحمي أنفسنا من المساءلة. لكن الاعتراف بالخوف يعني مواجهته. نحن لا نخاف الفشل، نخاف الحرية، لأن الحرية تعني أننا المسؤولون ولا أحداً نلومه سوانا.
الراحة الحقيقية ثمرة تأتي بعد جهد. أما الخوف فيقف بيننا وبين البداية. إن كنا مرتاحين قبل أن نبدأ فنحن لسنا في راحة، نحن في خوف. ومن يطلب الراحة قبل التعب لا ينال طمأنينة، بل ينال فراغاً يملؤه بالقلق، لأن الراحة التي لم تُكتسب لا تُشبع الروح.
الخوف يرى ما قد نخسره، أما الإيمان بحكمة المجهول فيرى ما قد نكسبه. وبين الرؤيتين تُصنع الحياة. لكنك لا تستطيع أن تختار بينهما ما دمت لا تزال ترتب أثاث سجنك.
