الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

هل يولد الاتفاق من رحم النفاق؟

15 يونيو 2026 01:14 صباحًا | آخر تحديث: 15 يونيو 01:15 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
لطالما كان للتوقيع في السياسة معنى يتجاوز الورق. كان لحظة عبور بين زمنين، اللحظة التي يضع فيها الأعداء أقلامهم فوق الوثيقة، وكأنهم لا يوقعون على اتفاق فقط، بل يوقعون على اعتراف بأن العالم بعدهم لن يكون كما كان قبلهم. كانت القاعات الكبرى، والوجوه المتقابلة، والمصافحات أمام عدسات العالم جزءاً لا يتجزأ من صناعة اللحظة والتاريخ على حد سواء، لأن السياسة ليست نصوصاً فقط، بل رموز وطقوس وصور تبقى في ذاكرة الشعوب.
لكن الشرق الأوسط الذي اعتاد أن يكتب تاريخه بالحبر والدم، قد يكون على موعد مع مشهد مختلف: اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران لا يولد من قاعة مفاوضات تجمع الخصمين، بل من شاشة إلكترونية، يوقعه كل طرف من مكانه، كأن واحدة من أعقد خصومات القرن يمكن اختزالها في ملف رقمي ينتقل عبر خطوط مشفرة، كأن الجغرافيا تقف عصية أمام مشهد تاريخي وتضيق الخناق عليه.
وربما تكون هذه هي المفارقة الأكثر تعبيراً عن طبيعة اللحظة نفسها: اتفاق يريد أن يطفئ حريقاً تاريخياً، لكنه لا يزال يخشى الاقتراب من النار.
فالوثيقة المرتقبة، حتى لو وُقعت، لا تبدو اتفاقاً يغلق الملفات بقدر ما تبدو صيغة لإدارة ملفات مؤجلة. فما بين طهران وواشنطن عقد كبرى ما زالت معلقة في الهواء: من يبدأ أولاً، هل تفتح إيران هرمز أم تخفف واشنطن ضغطها البحري وتفرج عن بعض الأموال المجمدة؟ وما مصير البرنامج النووي الإيراني في ظل عدم وضوح مستقبل التخصيب والمخزون وآليات التفتيش؟ وهل تتحول مهلة الستين يوماً إلى مسار تفكيك حقيقي أم إلى فرصة لإعادة ترتيب الأوراق؟ ثم تأتي الملفات الأكثر تعقيداً: الصواريخ، والمسيرات، وشبكة النفوذ الإقليمي، ولبنان، والسيطرة على إسرائيل، وضمانات أمن الخليج.
لكن القضية الأعمق ليست في هذه البنود وحدها، بل في السؤال الذي يختبئ خلفها: هل نحن أمام اتفاق ينهي صراعاً؟ أم اتفاق يمنح الصراع فرصة ليتنفس بطريقة مختلفة؟
من هنا يصبح التوقيع الإلكتروني أكثر من إجراء تقني، يصبح لغة سياسية.
لم يكن ينقص هذا العصر سوى أن يُوقع اتفاق حرب وسلام في الشرق الأوسط بكبسة زر. كأن أربعة عقود من العداء بين «العدو الإمبريالي» و«الدولة المتمردة» يمكن أن تختصر في نافذة إلكترونية صغيرة يظهر فيها خيار «أوافق»، ثم يغلق الطرفان الشاشة وكأن التاريخ، بكل حروبه وعقوباته وذاكرته الثقيلة، أصبح مجرد تحديث مؤقت لبرنامج قديم.
لكن المفارقة أن هذا الشكل البارد قد يكون الأكثر صدقاً مع مضمون الاتفاق نفسه. فهذا ليس اتفاق مصالحة، بل اتفاق مصالح. ليس إعلان صداقة، بل ترتيب مسافات. لا توجد صورة تريد طهران أن تمنحها لجمهورها، ولا صورة يريد ترامب أن يمنحها لخصومه.
إيران، التي قامت جمهوريتها الحديثة على سردية مواجهة الولايات المتحدة، لا تستطيع بسهولة إنتاج مشهد مصافحة مع من وصفته لعقود بأنه «الشيطان الأكبر». فالمصافحة هنا ليست حركة يدين، بل امتحان لذاكرة سياسية كاملة.
وفي المقابل، فإن ترامب، الذي بنى جزءاً أساسياً من هويته السياسية على نقد إرث إدارة أوباما والاتفاق النووي السابق، يدرك أن الصورة قد تكون أخطر من الاتفاق نفسه. فهناك فرق بين توقيع وثيقة يمكن شرحها للناخبين، وصورة تاريخية قد تصبح رمزاً يتجاوز كل التفسيرات. ولهذا تغيب الصورة. وهنا يكمن جوهر اللحظة.
في التاريخ الحديث لم تكن الصور مجرد زينة دبلوماسية. فعندما صافح ريتشارد نيكسون ماو تسي تونغ في بكين عام 1972، لم تكن الكاميرات توثق لقاءً عابراً بل لحظة أدرك فيها التاريخ أن خصمين أيديولوجيين قررا إعادة ترتيب موقعهما في العالم. وعندما خرجت كامب ديفيد بصورها الشهيرة، كانت الصورة تقول إن عدو الأمس أصبح شريك الغد، حتى لو بقيت الجروح مفتوحة.
أما واشنطن وطهران اليوم فتبدوان وكأنهما تريدان نتائج تلك اللحظات التاريخية من دون تحمل تكلفتها الرمزية. يريدان الاتفاق، لكنهما لا يريدان الاعتراف الكامل. يريدان خفض التصعيد، لا تغيير الهوية. يريدان إدارة الخلاف، لا دفنه. وهنا تظهر ملامح الشرق الأوسط الجديد.
فالمرحلة المقبلة لا تبدو مرحلة انتصار كامل لأي طرف. لن يكون هناك خروج أمريكي كامل، ولا سيطرة إيرانية كاملة، ولا سلام شامل، ولا حرب شاملة. إنها مرحلة إعادة تموضع، مرحلة تتحول فيها الصراعات من ساحات مفتوحة إلى طاولات تفاوض، ومن صواريخ معلنة إلى رسائل مشفرة. قد يكون هذا هو المعنى الحقيقي للتوقيع الإلكتروني: إنه ليس توقيع نهاية، بل توقيع انتظار.
سيبقى التوقيع معلقاً في فضاء إلكتروني بارد، كما تبقى أسئلة الشرق الأوسط معلقة في فضاء سياسي أكثر برودة، إلى أن يكشف الزمن من كان يرى هذه الهدنة بداية طريق، ومن كان يراها مجرد استراحة محارب.
ففي الشرق الأوسط، لا تنتهي الحروب دائماً عندما تُوقع الاتفاقات... أحياناً تبدأ مرحلة جديدة منها.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة