الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

الإمارات لا تحتاج إلى مضيق هرمز

19 يونيو 2026 00:21 صباحًا | آخر تحديث: 19 يونيو 00:22 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
لأكثر من نصف قرن، ارتبط اسم الخليج العربي باسم مضيق هرمز. ذلك الشريط المائي الضيق الذي تحوّل الى واحد من أهم ممرات الطاقة في العالم، حتى بدا كأنه القدر الجغرافي الذي لا يمكن الهروب منه. لكن الدول لا تُبنى على الجغرافيا وحدها، بل على قدرة قراءة المستقبل قبل أن يصل. وهذا ما فعلته الإمارات، عندما عززّت منافذ مهمة هي مرفأ الفجيرة، ومرفأ خورفكان.
فبينما كانت المنطقة تنشغل بالحديث عن احتمالات إغلاق المضيق، أو تهديد الملاحة فيه، كانت الإمارات تعمل بهدوء على مشروع مختلف. لم تنتظر الأزمة، بل استعدت لها قبل أن تقع. من قلب حقول النفط في أبوظبي يمتد خط حبشان-الفجيرة لمسافة 400 كيلومتر، ناقلاً النفط الخام إلى ساحل عمان مباشرة، بعيداً عن مضيق هرمز. ووفق بيانات أدنوك وميناء الفجيرة، فإن هذا الخط قادر على نقل ما يصل الى نحو 1.5-1.8 مليون برميل يومياً، ليتم تصديره من الفجيرة الى الأسواق العالمية من دون المرور بالمضيق. وهنا تكمن الفكرة الاستراتيجية. فالفجيرة، كما خورفكان، ليستا داخل الخليج العربي أصلاً، أي أن الناقلة التي تغادر الفجيرة أو خورفكان لا تحتاج إلى عبور هرمز، ولا تنتظر إذناً من أحد، ولا تتأثر مباشرة بأي توتر داخل الخليج.
لقد تحولت الفجيرة، خلال السنوات الماضية، من ميناء مهم إلى واحدة من أكبر العُقد النفطية في العالم. خزانات عملاقة، ومحطات تحميل مُتطورة، ومرافق تموين بحري، ومنشآت تخرين استراتيجية تجعلها نقطة ارتكاز لوجستية عالمية، لا مجرّد ميناء محلي. ولم تتوقف الإمارات عند هذا الحد. ففي عام 2026 كشفت تقارير دولية عن تسريع مشروع خط أنابيب جديد يربط أبوظبي بالفجيرة، بهدف مضاعفة القدرة التصديرية خارج مضيق هرمز. وتشير التقديرات إلى أن الطاقة الإجمالية للأنابيب المتجهة الى الفجيرة قد ترتفع إلى نحو 3.3 مليون برميل يومياً، مع قدرة تصديرية قد تصل الى 4 ملايين برميل يومياً، عبر مرافق الميناء.
هذه الأرقام لا تعني مجرد زيادة في الإنتاج، أو التصدير، بل تعني شيئاً أكبر بكثير.. تقليص الاعتماد على المضيق عاماً بعد عام. وفي الوقت نفسه تواصل الإمارات تطوير منشآت التخزين في الفجيرة وفي خورفكان. وهي خطوة تمنح الدولة مرونة إضافية في مواجهة أيّ اضطرابات مؤقتة في الأسواق، أو الممرات البحرية. لهذا السبب حين يطرح سؤال: ماذا لو تعطل مضيق هرمز؟ فإن الإجابة الإمارتية تأتي عبر البنية التحتية نفسها، وفي الخزانات العملاقة على الساحل الشرقي، وفي الأرصفة التي تستقبل الناقلات على بحر عمان، وفي استراتيجية بدأت قبل سنوات على أساس بسيط.. لا يجوز أن يرتبط مستقبل الاقتصاد بممر واحد، مهما بلغت أهميته.
صحيح الإمارات ما زالت تستفيد من مضيق هرمز كجزء من منظومة التجارة العالمية، لكن الحقيقة الأهم أن الإمارات لم تعُد أسيرة له. لقد انتقلت من مرحلة الاعتماد على المضيق الى مرحلة امتلاك البديل. ومن مرحلة القلق من الإغلاق الى مرحلة إدارة المخاطر. ومن انتظار الحدث الى صناعة الخيارات. لهذا فإن العبارة الأدق اليوم ليست أن الإمارات تتجاهل أهمية مضيق هرمز، بل إنها نجحت في تحقيق ما كانت تسعى اليه منذ سنوات.. أن يصبح المضيق خياراً، لا ضرورة وجودية. فالدول التي تُخطط للمستقبل لا تنتظر الجغرافيا كي تحكم مصيرها، بل تبني طرقاً جديدة تتجاوز حدودها. وهذا ما صنعته الإمارات.
أما بالنسبة للغاز، فالبدائل أيضاً مطروحة منها: إنشاء خط غاز الفجيرة، أي نقل الغاز من حقول أبوظبي إلى ساحل الفجيرة عبر أنابيب برية. وبناء وتوسيع مرافق تسييل الغاز. وهذا الخيار يمنح الإمارات منفذاً مهماً مباشراً الى بحر العرب، والمحيط الهندي. ولا ننسى أهمية ميناء خورفكان، ويُعَد أكبر موانئ إعادة شحن الحاويات، وهو الميناء الطبيعي العميق والوحيد في المنطقة، وهناك مشاريع الربط بين الموانئ من خلال السكة الحديدية مباشرة، ما يفتح منفذاً إضافياً خارج هرمز. كما للإمارات القدرة على تعزيز الشحن الجوي للسلع. فهي تملك ميزة كبيرة في الطيران والشحن الجوي للسلع مرتفعة القيمة، أو العاجلة.
بهذه القدرات يمكن أن نقول: الإمارات لا تحتاج إلى مضيق هرمز، وإنه لن يكون الطريق الوحيد، ولا نقطة الاختناق التي تُوقِف الاقتصاد.
[email protected]
كاتبة وباحثة في الدراسات الإعلامية

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة