لم يعد السؤال الجوهري في منظومة الاتصال الحكومي: كيف نوصل الرسالة؟ بل أصبح: كيف نستبق الحدث قبل أن يُشكّل الرأي؟ هذا هو التحول الحقيقي الذي يفرضه الذكاء الاصطناعي التوكيلي (Agentic AI) على إدارات الاتصال الحكومي، الذي يُعيد تعريف دورها من أداة للنشر إلى شريك فاعل في صناعة القرار ودعم الاستباقية المؤسسية.
ويشهد قطاع الاتصال الحكومي تحولاً نوعياً مع التطورات المتسارعة في تقنيات الذكاء الاصطناعي، التي لم تعد تقتصر على إنتاج المحتوى، بل أصبحت أداة استراتيجية لتحليل البيانات، واستشراف الاتجاهات، وفهم توجهات الرأي العام. وفي بيئة إعلامية تتسم بسرعة تداول المعلومات وتنامي تأثير المنصات الرقمية، بات الإعلام الاستراتيجي ركيزة لا غنى عنها في بناء السرديات الوطنية وتعزيز الثقة العامة.
وتفتح هذه القدرات آفاقاً واسعة أمام إدارات الاتصال الحكومي، أبرزها التعامل الاستباقي مع حملات التضليل الإعلامي، وإدارة الأزمات الاتصالية بسرعة وفاعلية، في ظل تسارع غير مسبوق تشهده هذه التقنية في انتقالها من مرحلة التجريب إلى التطبيق الفعلي.
ويبقى الإنسان أولاً في هذا التحول، ما يستوجب الاستثمار في تأهيل الكفاءات الوطنية وتمكينها من توظيف هذه التقنيات بوعي وطموح، ولتحقيق الاستفادة القصوى لابد من تصميم أطر عمل واضحة تضمن الاستخدام الآمن والمسؤول، والشفافية وحقوق الملكية الفكرية، وضوابط أمن المعلومات، بما يُرسّخ مصداقية الرسائل الإعلامية والاستراتيجية.
وتُجسّد دولة الإمارات هذا التحول عملياً، إذ أعلنت في إبريل 2026 إطاراً حكومياً طموحاً يستهدف تطبيق الذكاء الاصطناعي التوكيلي في 50% من الخدمات والعمليات الحكومية خلال عامين. وفي السياق ذاته، أطلق المكتب الإعلامي لحكومة الإمارات خلال اجتماع شبكة الاتصال الحكومي في يونيو 2026 «دليل صناعة المحتوى الإعلامي الحكومي»، إطاراً مهنياً متكاملاً يُمكّن الجهات الاتحادية من بناء رسائلها وفق أعلى معايير الجودة والتأثير. وبعد ما شهدناه من دعم وتشجيع حكومي بات على إدارات الاتصال الحكومي مراجعة هياكلها، وإعادة تسمية أقسامها ووظائفها، وتحديد المهارات المطلوبة في فرقها لضمان تلبية الطموحات الوطنية.
إن مستقبل الاتصال الحكومي لن تصنعه الخوارزميات وحدها، بل الإنسان الماهر القادر على تسخيرها من أجل ازدهار الإنسانية وقيادة التحول العالمي في الذكاء الاصطناعي، ودولة الإمارات بخطواتها الاستباقية، تُثبت في كل مرة أنها لا تواكب التحول بل تقوده.
@alya_alyassi
