من الموضوعات التي تعود إلى الواجهة كلما تعاقبت الإدارات وتغيرت القيادات، قضية الموظفين أصحاب الخبرة، فمع كل إدارة يبدأ الحديث عن التجديد والتغيير، وأحياناً يكون أول ضحاياه أولئك الذين أمضوا سنوات طويلة في خدمة المؤسسة، وبين الحماسة للمستقبل والوفاء للخبرة، تظل هناك حقيقة تستحق التأمل.
هناك مقولة تقول «الشباب يمكنهم المشي أسرع، لكن أصحاب الخبرة يعرفون الطريق» وهي مقولة تلخص حقيقة تتكرر في الحياة كما تتكرر في المؤسسات، فالشباب يملكون سرعة الحركة وجرأة القرار والرغبة في التغيير، لكن الخبرة والبصيرة والقدرة على قراءة العواقب هي ثمار سنوات طويلة من التجربة.
كثيراً ما ترتبط بداية الإدارات الجديدة برغبة في ترك بصمة سريعة وإثبات الحضور، فيتم تغيير الأنظمة والآليات وإعادة ترتيب المواقع، لكن الخطر يظهر عندما يصبح التغيير لمجرد التغيير، وعندما تكون الخبرات المتراكمة أول ما يتم الاستغناء عنه.
لا أحد يعارض منح الفرصة للأجيال الجديدة، بل إنه ضرورة لضمان الاستمرارية، لكن الخطأ يبدأ عندما ننظر إلى أصحاب الخبرة وكأن دورهم انتهى بمجرد ظهور جيل جديد، فالمؤسسات الناجحة لا تبني مستقبلها على إقصاء الماضي، بل على الجمع بين حماسة الشباب وحكمة أصحاب التجربة.
كم من قرار بدا رائعاً على الورق، لكنه تعثر عند التنفيذ لأن من اتخذه لم يواجه ظروفاً مشابهة من قبل، وكم من أزمة كان يمكن تجنبها لو استمعت الإدارة إلى شخص مر بالتجربة نفسها قبل سنوات، فالخبرة ليست مجرد عدد سنوات في الوظيفة، بل هي تراكم للمواقف والدروس والأخطاء والنجاحات التي تشكل مع الوقت رصيداً لا يقدر بثمن.
ومن الأخطاء الشائعة أن بعض المؤسسات تتعامل مع أصحاب الخبرة على أنهم تكلفة يجب التخلص منها، بينما الحقيقة أنهم في كثير من الأحيان يمثلون ذاكرة المؤسسة وحصيلتها المعرفية، وعندما يغادرون دون نقل خبراتهم، فإن المؤسسة تخسر أكثر مما تتصور، حتى وإن لم تدرك ذلك بعد فوات الأوان.
التغيير سنة من سنن الحياة، لكن النجاح لا يتحقق بالتغيير العشوائي، بل بالتغيير المدروس، والمؤسسات الحكيمة التي تمنح الشباب الفرصة، وفي الوقت نفسه تحافظ على مكانة أصحاب الخبرة وتستفيد من علمهم وتجاربهم، فالتوازن بين التجديد والمحافظة على المعرفة المتراكمة يظل من أسرار استدامة النجاح وتحقيق النتائج على المدى البعيد، فالمعادلة الناجحة ليست أن يحل جيل محل جيل، بل أن يعمل الجيلان معاً، شباب يدفعون العجلة إلى الأمام، وخبرات تمنعها من الانحراف عن الطريق، فالمؤسسات لا تسقط بسبب نقص الطاقة، بل غالباً بسبب غياب البوصلة.
