الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

الحكمة المستعارة

20 يونيو 2026 00:06 صباحًا | آخر تحديث: 20 يونيو 00:07 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
يميل الإنسان إلى البحث عن قصص الناجحين ليتعلم منهم. يقرأ سيرهم، وقد يقلد خطواتهم، ويحاول أن يفعل ما فعلوه. وهذا مفيد بلا شك، لكنه ناقص، لأن قصص النجاح تخبرنا بما نجح فيه شخص وفق ظروف معينة، لكنها لا تخبرنا بما يجب أن نتجنبه. أما قصص الذين أخطأوا وتعثروا، فإنها تحمل دروساً من نوع مختلف، دروساً قد تكون أكثر فائدة من قصص النجاح نفسها.
ما يجعل التعلم من أخطاء الآخرين ذا قيمة كبيرة هو أنه يوفر على الإنسان ثمن التجربة. الخطأ يمكن أن يكون مكلفاً، يأخذ من الوقت والجهد وأحياناً أكثر من ذلك. وحين يتعلم الإنسان من خطأ غيره، فإنه يحصل على الدرس دون أن يدفع ثمنه. يرى أين تعثر من سبقه، فيتجنب الحفرة نفسها، ويصل إلى ما يريد بطريق أقصر. هذا النوع من التعلم متاح لمن يحسن الملاحظة، لكن كثيرين لا ينتبهون له لأنهم مشغولون بقصص الانتصار فقط.
المشكلة أن قصص الفشل لا تروى بالحماسة نفسها التي تروى بها قصص النجاح. الناجح يتحدث عن نجاحه بفخر، أما من أخطأ فكثيراً ما يصمت عن خطئه أو يخفيه. وهذا يجعل دروس الإخفاقات أقل توفراً في الحياة الواقعية. النجاح قد يأتي مع عوامل لا يتحكم فيها الإنسان، بينما الفشل غالباً ما يقع بسبب واضح يمكن تجنبه.
ما يحتاج اليه الإنسان ليستفيد من أخطاء غيره هو أن ينظر إليها دون تعالٍ.
كثيرون حين يرون شخصاً أخطأ يكتفون بالحكم عليه، ظناً منهم أنهم ما كانوا ليقعوا في الخطأ نفسه. وهذا الحكم يحرمهم من الاستفادة من تلك الدروس، لأنهم يمارسون التنظير.
أما من ينظر إلى الخطأ بتواضع ويسأل نفسه كيف وقع فيه صاحبه، وهل كان من الممكن أن يقع فيه هو أيضاً، فإنه يخرج بدرس حقيقي.
ما يميز من يتعلم من أخطاء الآخرين أنه يجمع خبرة أوسع من خبرته الشخصية، فالشاب الجديد في سوق العمل مثلاً لا يمكنه معرفة كل شيء عن التعامل مع الناس والعقود وتفاصيل الأعمال، لكنه يستطيع أن يتعلم من تجارب من حوله ومن سبقوه.
ومن يفعل ذلك يبني حكمة لا تأتي من خبرته وحدها، بل من سنوات كثيرين عاشوها قبله. وهذه الحكمة المستعارة، إن صح التعبير، هي ما يجعل بعض الناس أنضج من أعمارهم، لأنهم تعلموا مما لم يعيشوه بأنفسهم.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة