طوال العقود الماضية، كانت المعركة ضد الأمية واضحة الشكل، قم بتعليم الفرد كيف يكتب ويقرأ الحرف، كيف يكتب اسمه، وكيف يقرأ لافتات الشوارع، وستكون قد نقلته من الظلام إلى النور. بذلت الدول الغالي والنفيس، واحتفلت ب«تصفير» نسب الأمية الأبجدية، لكن العصر الرقمي باغت الجميع بضربة خاطفة، فجأة، استيقظ العالم ليجد أن «المعاملات الورقية» التي كانت تمنح الأمان لجيل كامل قد دُفنت دون جنازة، والموظف البشري المستعد للشرح وتقديم العون وراء النافذة الزجاجية اختفى، وحل محله «روبوت محادثة» آلي، أو قائمة خيارات متعددة على شاشة صماء.
اليوم، لم يعد الأمي هو من لا يعرف القراءة والكتابة، بل هو ذلك الشخص (مهما بلغت شهاداته العلمية) الذي لا يستطيع تجديد رخصة قيادته عبر منصة حكومية، أو يعجز عن تحويل مبلغ مالي لشخص لأن التطبيق البنكي يطلب خطوة «التحقق بخطوتين» وهو لا يدري أين يذهب برمز الأمان. المفارقة في هذه «الأمية الجديدة» أنها لا تأتي من قلة التعليم، بل تأتي من سرعة التحول، إنها هجرة قسرية عكسية، حيث يُطرد الإنسان من منطقة «الكفاءة» التي عاش فيها عقوداً، ليعود فجأة إلى نقطة الصفر، فقط لأن العالم قرر أن يصبح «رقمياً بالكامل» بين ليلة وضحاها. تأمل كمَّ الإحباط والشعور بالدونية الذي يمر به إنسان كان يُشار إليه بالبنان في عمله، وهو يضطر الآن لانتظار ابنه المراهق -الذي ربما لم يقرأ كتاباً واحداً كاملاً في حياته- ليقوم له بمعاملة رقمية بسيطة. لقد انقلبت المعادلة، أصبح الصغار هم من يعرفون، والكبار هم الأميون.
الخطورة هنا لا تكمن فقط في تعطل المصالح، بل في العزلة التامة، عندما تصبح الهوية الرقمية هي بوابة العبور الوحيدة للحقوق الأساسية من الصحة إلى التعليم إلى المال، فإن العجز عن التعامل معها يعني ببساطة «الإقصاء الاجتماعي»، إذ يتحول هؤلاء الأشخاص إلى كائنات تعيش على هامش الحياة اليومية، معتمدين على إحسان الآخرين التقني.
نحن بحاجة إلى إعادة تعريف «محو الأمية»، لم يعد الأمر يتعلق ب«ألف، باء، تاء»، بل ب«اضغط، اسحب، أمّن حسابك»، وإذا لم تلتفت الجهات المعنية لتقديم جسور عبور إنسانية فإننا سنشهد في العالم مفهوم الأميين الجدد، الذين يملكون المعرفة، لكنهم يفتقدون الزر الذي يفعّلها.
