الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

عالَم لاجئ

10 أغسطس 2026 00:01 صباحًا | آخر تحديث: 10 أغسطس 00:01 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
أسوأ وأقسى ما يفعله الإنسان بأخيه الإنسان إجباره على ترك منزله، أو قريته، أو مدينته، أو وطنه، فيشعر المغلوب على أمره بأنه اقتُلع من جذوره، وبات عارياً مفلساً فقيراً، حتى لو امتلك كنوز قارون.
وهذا الفعل العدواني لا يقوم به الأفراد إنما الجماعات والدول، ويتحقّق نتيجة حرب أهلية، أو حرب بين الجيران، أو حرب إقليمية أو عالمية، وجميع هذه الحروب مبنيّة على حقد دفين تجاه الآخر، أو على استعلاء كاذب، وقناعات واهية تدّعي العنصر الأنقى، والعقيدة الأصح، وكثيرون يُلبسون الفعل الإجرامي لباس الدين، فينسبون لله ما ليس فيه، وهذا الفعل قمة الكفر، والنفاق، والتدليس.
وأنا على ثقة كبيرة بأن الدين بريء من القتل، والتشريد، والحقد، وتعذيب البشر، لأن جوهره هو التسامح، والمحبة، والروح الطاهرة، وحلو الكلام، والرّقة، والعدالة، فإذا ارتدى ثوب السياسة كانت الحروب وكان الدم. والسياسة هي الظن بأحقّية الموقف وحقيقة الأشياء، ومشروعية المطالب والاستيلاء، وهنا، يتخلص الإنسان من مبادئه وإنسانيته ويعود إلى شريعة الغاب، أي حكم القوي، والبقاء للأقوى.
العالم مملوء بالمشرّدين واللاجئين نتيجة الحروب التي ذكرت، ونتيجة القناعات التي تشبه الادّعاءات، ولكل لاجئ ومشرّد قصة تصلح نموذجاً لما ذهبنا إليه، وتنفع أن تُعرض أمام البشرية، ليس لاستدرار الدمع والعاطفة، إنما ليعيد الإنسان حساباته ويسلك درباً آخر، صحيح أن الفعل فرديّ، لكنه قد يتحوّل إلى اتجاه جماعي، بينما الآخرون، المسؤولون عن تشريد البشر، لا تنفع معهم قصص ولا عِظات، فهم واقعون تحت تأثير مخدّر العظمة التي تجعلهم ينظرون إلى البشر على أنهم مجرد أرقام.
الأرقام التي سأذكرها يعلمها الناس جميعاً، وعلى رأسهم المتسبّبون بها، وأذكّر أنها ليست مجرّد أرقام، فحين نعود إلى تقارير المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ونقرأ أنه حتى منتصف عام 2026 بلغ عدد اللاجئين والنازحين قسراً في العالم، نحو 117.8 مليون شخص، أي ما يعادل واحداً من كل 70 إنساناً على وجه الأرض. فخلف كل لاجئ من هؤلاء الملايين قصّة إنسانية مُبكية، ولو لاحظنا صفة (قسراً)، لأدركنا أنهم أُجبروا على مغادرة بيوتهم وأراضيهم بالقوة، وهو فعل إجرامي تحرّمه كل القوانين، والمنظمات السياسية والأممية، والأديان.
ولا بد من العودة إلى الأرقام التي تظهر المآسي المسكوت عنها، فهنالك 68.5 مليون نازح داخل بلده. وهناك ثلاثة ملايين إنسان عديم الجنسية. وإذا أردنا معرفة الدول المصدّرة للاجئين حسب التقارير فنذكر: فنزويلا 6.4 مليون، فلسطين 6 ملايين، أوكرانيا 5.2 مليون، سوريا 4.9 مليون، أفغانستان 3.7 مليون، السودان 2.8 مليون، جنوب السودان، 2.4 مليون.
ثمة سؤال يطرح نفسه بإلحاح وألم: لماذا معظم اللاجئين من المسلمين، وهي الحقيقة التي توصّلت إليها المفوضية السامية لشؤون اللاجئين (UNHCR)؟ فقد تبيّن أن أكثر من 70% من اللاجئين ينحدرون من دول ذات أغلبية مسلمة مثل سوريا، أفغانستان، السودان، فلسطين، واليمن. وحين نسأل عن السبب تواجهنا معلومات بأن معظم الحروب الحديثة وقعت في دول ذات أغلبية مسلمة (سوريا، أفغانستان، السودان، اليمن، ليبيا، العراق، فلسطين)، إضافة إلى أسباب أخرى مثل: الاضطرابات السياسية، الفقر والاقتصاد الهش، التغيّر المناخي، وهناك مناطق مثل الساحل الإفريقي واليمن تعاني التصحر والجفاف، ما يزيد النزوح. وإذا عدنا إلى أسباب أكثر مباشرة سنعلم أنها الحروب الأهلية، والاضطهاد السياسي، والتمييز العرقي والديني، والفقر المدقع، وغياب الخدمات الأساسية.
إن الذين ينادون بإشعال الحروب للتخلّص من أعداد البشر للوصول إلى المليار الأنقى والأصفى، لا يدركون حجم الأزمات التي يخلقونها، فهم مثلاً، لا يعرفون أعداد الذين سيفقدون أطرافهم، أو نظرهم، أو إدراكهم، وهؤلاء سيتحولون إلى عبء دائم على خزينة الدولة، ففاتورة الحرب لا تنحصر في القتلى، والأسرى، والمفقودين، بل تتجاوز ذلك إلى الحالات الاجتماعية التي قد تصاب بأي أمراض نفسية، وإلى حالات اليتم والترمّل والفقد، وهو ثمن باهظ تعجز الأموال عن معالجته.
الحروب لن تتوقف، لكن بالإمكان تقليلها، بتفعيل الأنظمة الداخلية للكيانات الأممية، والعمل على تحقيق العدالة، ومساعدة الشعوب على التنمية والتخلّص من الفقر، ونشر مبدأ التسامح بين الناس: الدين لله والوطن للجميع. ولا بد من تفعيل اتفاقيات عدم التسلّح وتوسيع دائرة منع انتشار السلاح النووي، وتغيير المناهج بحيث تحضّ على احترام الآخر، وثقافته وأسلوب حياته، حتى لا نصل إلى مرحلة يصبح فيها اللجوء هو الواقع، والبقاء في الأوطان هو الاستثناء.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة