تتسارع التحركات السياسية المكثفة حول غزة على نحو لافت بعد فترة طويلة نسبياً من تراجعها إلى الزاوية الخلفية في المشهد الإقليمي، بسبب أولوية الاهتمام بالتوتر المتصاعد في المنطقة، فيما يبدو أن هذا التسارع يحمل معه تحديات كثيرة قد تضع القطاع برمته على أعتاب مرحلة جديدة.
ما يميز هذه التحركات أنها بدأت تأخذ منحى عملياً بعد أن ظلت أسيرة الظروف التفاوضية والتجاذبات المتبادلة ردحاً من الزمن، فيما يبدو أن الوقت قد حان لاتخاذ خطوات عملية لتنفيذ خطة الرئيس ترامب لإنهاء الحرب في قطاع غزة. كان مفتاح التحول هو موافقة «حماس» والفصائل الفلسطينية على نزع السلاح في القطاع في إطار خارطة طريق وضعها «مجلس السلام» تقضي من بين بنود أخرى بنزع سلاح تدريجي يقابله انسحاب إسرائيلي تدريجي من القطاع ضمن برنامج زمني محدد وعلى قاعدة «خطوة مقابل خطوة» إلى جانب وقف الانتهاكات اليومية الإسرائيلية لوقف إطلاق النار، وهو ما يلاقي، حتى الآن، رفضاً قاطعاً من الجانب الإسرائيلي، وخصوصاً من جانب حكومة نتنياهو ووزراء اليمين المتطرف، الذين لم يتوقفوا عن المطالبة ليس فقط برفض الخطة الأمريكية، وإنما بالعودة إلى استئناف الحرب لتحقيق ما يسمى «النصر المطلق» عبر احتلال كامل القطاع وسحق الفصائل الفلسطينية وتهجير سكان القطاع وإعادة الاستيطان.
لكن رغم هذا التشدد المفرط، يبدو أن الضغوط الأمريكية قد أثمرت في كسر ما كان حتى وقت قريب يعتبر نوعاً من المحرمات، على الأقل، إزاء الانسحابات وتقييد عمليات القتل والاغتيال، رغم الإصرار الإسرائيلي على ما تسميه «حرية الحركة» العسكرية لقواتها.
وإذا صحت التقارير التي تتحدث عن موافقة إسرائيلية على الانسحاب إلى ما يسمى «الخط الأصفر»، ودخول «مجلس السلام» ولجنة إدارة غزة والقوات الدولية رسمياً إلى القطاع، إضافة إلى بدء إقامة «منطقة خضراء» في رفح، فهذا يعني أن غزة باتت على أعتاب الانتقال إلى مرحلة جديدة. ولكن لا ينبغي الإفراط في التفاؤل، ذلك أن إسرائيل لا تزال ترفض علناً الموافقة على خارطة الطريق ذات ال15 نقطة التي أقرها «مجلس السلام»، وإن كانت التسريبات تشير إلى عكس ذلك. وبالتالي لم يتضح بعد ما إذا كانت ستلتزم بتنفيذ استحقاقات المرحلة الأولى من اتفاق غزة قبل الانتقال إلى المرحلة الثانية، مثل الالتزام بوقف إطلاق نار حقيقي وإدخال المساعدات الكافية والبروتوكول الإنساني وفتح المعابر أم أن الأمور ستنتهي بالعودة إلى المربع الأول.
كما أن «المنطقة الخضراء» التي تشير بعض التقارير إلى أن العمليات التمهيدية لها قد أنجزت، ستبقى خالية من السكان إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر المقبل. لكن ذلك كله لا يمنع من القول إن المشهد برمته بدأ يشق طريقه نحو التغيير، وإن كانت معالمه النهائية لم تتضح بعد.
