الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

إسرائيل.. عقدة الانسحاب

22 يونيو 2026 00:14 صباحًا | آخر تحديث: 22 يونيو 00:14 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
بعد توقيع مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية والبدء في مفاوضات ستستمر ستين يوماً، إذا لم تحدث انتكاسات ومفاجآت سلبية، بعد التوقيع تتجه الأنظار إلى لبنان، وفي الواقع هو تركيز على اختبار قناعة إيران وتمسكها بشمولية الاتفاق لا سيّما إنهاء الحرب على كل الجبهات. ويتفاءل البعض فيتحدث عن الانسحاب الفوري إلى الحدود الدولية أو على الأقل، إلى الخط الأصفر. أما المتفائل الأكبر فهو إيران التي تشترط الانسحاب الشامل من لبنان للمضي في الاتفاق مع الولايات المتحدة.
وتذهب الحكومة اللبنانية إلى أبعد مدى، فيما يشبه الطرح السريالي، والحديث عن الانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة، والإفراج عن الأسرى وعودة النازحين والبدء في إعادة الإعمار، وتطرح هذا في المفاوضات التي ستستمر قريباً في واشنطن. ويتماهى حزب الله مع موقف الحكومة اللبنانية فيشترط الانسحاب من الجنوب اللبناني، لأن -كما يعتقد- أي احتلال للأراضي اللبناني سيشرعن المقاومة.
إسرائيل في الجانب الآخر، وعلى لسان رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو، لن تكون معنيّة بإنهاء الحرب على كل الجبهات، وبالتالي لن تنسحب من الأراضي التي احتلتها، وستطلب إقامة منطقة منزوعة السلاح كي توفر الأمن لمستوطني الشمال، وطلبت من جيشها البقاء في الجنوب اللبناني.
الانسحاب مفردة تشكل عقدة لإسرائيل، مفردة مكروهة، فهي، وإن قبلتها على مضض فإنها ستلغيها حين تتوفر الظروف المناسبة، أو تخلق الظروف التي تؤدي إلى العودة إلى المناطق التي انسحبت منها.
لقد انسحبت إسرائيل من الضفة الغربية وعادت إليها وتسيطر على 80% من المساحة المفترض أن تكون تحت سيطرة السلطة الوطنية الفلسطينية. وانسحبت من قطاع غزة، ثم عادت فحاصرته لسنوات طويلة، ثم انقضت عليه واستعادت معظم الأراضي التي انسحبت منها، بحجة محاربة (الإرهابيين) وتوفير الأمن لسكان مستوطنات الجنوب. أما بالنسبة للأراضي الأخرى مثل مرتفعات الجولان فقد ضمتها إليها، وكذلك صحراء سيناء، التي انسحبت منها بشروط.
فكرة الانسحاب لدى القيادة الإسرائيلية هي فكرة تشكل عقدة سياسية ومعنوية وإستراتيجية، فهي توحي بالهزيمة والتراجع والرضوخ للأمر الواقع ورغبات الغير، وقد ندمت كثيراً على قرارات الانسحاب التي نفذتها سابقاً لا سيّما في عام 2000 بعد احتلال دام أكثر من عشرين سنة، حين اتخذ إيهود باراك قراراً من جانب واحدة بالانسحاب لأسباب عديدة منها أن المجتمع الإسرائيلي لم يعد يتقبّل الخسائر البشرية التي كان يتكبّدها الجيش في لبنان.
قرار الانسحاب الآن يرتبط بعوامل عسكرية وسياسية معقّدة، يرتبط بالسياسة الداخلية والخارجية، وهناك عوامل تؤثر على قرار الانسحاب منها ما يتعلق بالوضع الميداني، فالانسحاب في ظل العمليات العسكرية لحزب الله سيبدو وكأنه هزيمة شنيعة، لهذا تحاول إسرائيل أن تتجنّبه. إضافة إلى ذلك، هنالك الخلافات الداخلية والانقسام السياسي، وهذا يضعف قدرة الحكومة على اتخاذ قرار إستراتيجي واحد. ونشير أيضاً إلى ضغط الولايات المتحدة وأوروبا لمنع توسيع الحرب. وأخيراً، هناك ذاكرة مؤلمة بشأن الانسحاب، خاصة في عام 2000، البعض لا يزال ينظر إليه كقرار مؤلم، وتكراره قد يكون أشد إيلاماً لا سيما أنه سيأتي على وقع ضربات حزب الله، إلا إذا توصّل الطرفان إلى صيغة سياسية وأمنية ضمنت (كبرياء) الطرفين.
إن بقاء إسرائيل في لبنان لن يكون إلى ما لا نهاية، وبالتالي لا بد من وضع مسألة الانسحاب في الحسبان، في شكله المؤلم أم السلس، وأصبح هذا الواقع ملحاً بعد توقيع الاتفاق بين إيران والولايات المتحدة، لكن إسرائيل لن تنسحب بهذه السهولة وستتردّد كثيراً قبل الإقدام على هذه الخطوة، وقد تلجأ إلى إعادة تموضع جزئي أو انسحاب محدود في الفترة المقبلة، ولن يحدث انسحاب شامل كما حدث في عام 2000، على أقرب تقدير. وكل ما ستفعله هو الاستجابة للضغوط الدولية، وقد تطرح حل البقاء المؤقت، وهو ما يناسبها معنوياً وأمنياً.
كل ذلك كان مقاربات موضوعية نتيجة لقراءة التاريخ والوضع السياسي الحالي والمزاج العالمي، أما إذا اقتربنا أكثر من الواقع، ودخلنا إلى العقلية الإسرائيلية الأمنية، فإننا سنتوصّل إلى فرضية أن إسرائيل لن تنسحب من جنوب لبنان في المدى المنظور، وستبقى تماطل وتؤخر إلى حين ظهور واقع آخر يتعلق بقدرات حزب الله أو تحوّله إلى حزب سياسي أو الاندماج في الجيش اللبناني.
أما على الصعيد الداخلي، فهناك استحقاقات أخرى، فلو انسحب نتنياهو الآن من جنوب لبنان، سيُتّهم بالخيانة العظمى والهزيمة الشنيعة، وأنه فرّط في أرواح جنوده من أجل سياسة غير واضحة وأهداف لم تتحقّق، وسيثور في وجهه سكان المستوطنات الذين يزعم نتنياهو أنه يحارب من أجل أمنهم وسلامتهم. وستجدها المعارضة الداخلية فرصة للانقضاض عليه وربما محاكمته، ونتيجة لذلك، لن يكون الانسحاب قريباً، لكنه لن يكون مستحيلاً، وستشجع الولايات المتحدة حليفتها إسرائيل على اقتناص فرصة تحقيق السلام مع دولة عربية جديدة.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة