لم تعد الحرب الدائرة بين الوجهين الأبرز في السياسة الخارجية الأوروبية مجرد حرب صامتة بعد أن انفجرت أخيراً إلى العلن حاملة معها مزيداً من القلق بين الدول الأعضاء في مرحلة بالغة الحساسية يعيشها الاتحاد الأوروبي.
الخلافات القائمة بين دول الاتحاد حول الكثير من الملفات الدولية من الأزمة الأوكرانية إلى الشرق الأوسط، إلى العلاقات المتوترة بين جناحي الأطلسي، إلى جانب العلاقات مع الصين، ليست جديدة، وكان يمكن إدارتها بالحد الأدنى من التوافق ضمن مؤسسات الاتحاد، إلا أن الجديد هو أن تنتقل هذه الخلافات إلى داخل المؤسسات ذاتها وبين امرأتين تمثلان واجهة السياسة الخارجية الأوروبية.
البعض يرى في الخلاف الدائر بين مسؤولة السياسة الخارجية والأمن في الاتحاد الأوروبي (وزيرة الخارجية للاتحاد) كايا كالاس، ورئيسة المفوضة الأوروبية أورسولا فون دير لاين حرباً على الصلاحيات مغلفة بطابع شخصي في إطار محاولات زيادة الاستحواذ والنفوذ. والبعض الآخر يرى أن الخلل يكمن في المعاهدات الهيكلية والبنى التأسيسية للاتحاد، التي كانت تنشد عالماً يسوده التوافق لا على عالم تحكمه الصراعات بين الدول الكبرى. لكن المشكلة تكمن في أن وراء هاتين المرأتين أنصاراً وداعمين ما يعمق الانقسام الأوروبي الذي لطالما تسبب في ضعف المواقف الأوروبية وعدم اتخاذ قرارات حاسمة بشأن معظم القضايا الدولية.
وهذا الضعف كان يظهر جلياً وواضحاً تجاه حرب الإبادة الإسرائيلية في غزة، وعدم فرض عقوبات على إسرائيل، والاكتفاء بفرض عقوبات خجولة على إرهاب المستوطنين، خلافاً للقيم الأخلاقية والقواعد الأوروبية المبنية على القانون الدولي وحقوق الانسان. وغير بعيد عن حرب فون دير لاين وكالاس حول السياسة والنفوذ، ظهر مؤخراً حدثان بارزان أشعلا نيران هذه الحرب ودفعا بعض الدول، مثل فرنسا وألمانيا، إلى وضع خطة، وفق ما تقول التسريبات، لإسناد المواقف الأوروبية بشأن القضايا الكبرى إلى عواصم الدول الأعضاء، غير أن الغموض لا يزال يكتنف هذه الخطة.
وبالعودة إلى الحدثين البارزين، يتعلق الأول بما طرحه رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا بشأن إعادة تفعيل الحوار مع روسيا عبر فتح قنوات مع الكرملين لإنهاء الحرب في أوكرانيا، حيث تحدث كوستا شخصياً مع بعض كبار مساعدي الرئيس بوتين، في مقاربة هي الأوضح منذ بدء الأزمة الأوكرانية.
والثاني هو ما صدر عن كلاس من تصريحات خلال فعالية في المكسيك، مؤخراً، شبهت خلالها السياسة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين بسياسة الفصل العنصري «الأبارتهايد» في جنوب إفريقيا سابقاً، ما أثار غضباً إسرائيلياً ودفع تل أبيب إلى قطع العلاقات مع وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي. وفي الحالتين، تفاقمت الخلافات داخل مؤسسات الاتحاد، واتهمت كالاس بالاستحواذ على الملف الروسي وقلة الخبرة في الشرق الأوسط، بينما اتهمت فون دير لاين بمحاولة وضع السياسة الخارجية تحت عباءة المفوضية، أما كلمة الفصل فهي متروكة للدول الأعضاء.
