الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

في استغلال هواجس أوروبا الأمنيّة

22 يونيو 2026 00:11 صباحًا | آخر تحديث: 22 يونيو 00:12 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
كان يُفتَرض أن تتغيّر صورة روسيا، في الرّؤية الاستراتيجيّة الأمريكيّة، من عدوٍّ للغرب يُخشى جانبُه إلى حليفٍ -أو حتّى إلى قوّة عادية- بعد أن تخلّت عن نظامها الشّيوعيّ وحلّت منظومتَها السّوفييتيّة ومعسكرَها «الاشتراكيّ» في بلدان أوروبا الشّرقيّة، لكنّ شيئاً محسوساً من ذلك التّغيُّر في صورتها لم يحصل في الإدراك السّياسيّ الأمريكيّ ولا الأوروبيّ، بل استمرّت النّظرةُ إليها من حيث هي مصدرُ التّهديد والخطر سائدةً في البيئات السّياسيّة الغربيّة كافّة.
ولكنّ العداء لم يرتفع بارتفاع أسبابه، بل بقيَ محتدّاً منذ الانهيار السّوفييتيّ، قبل خمسةٍ وثلاثين عاماً، حتّى يوم النّاس هذا، الأمر الذي تأكَّد معه أنّ للعداء الغربيّ تجاه روسيا أسباباً أخرى غيرَ السّبب المعلوم والمَدْروج على الاعتقاد به (أعني التّناقض الإيديولوجيّ)، وأنّ تلك الأسباب قد تكون أعمقَ وأشدَّ أثراً ممّا أَلِفْنا حسبانَها أسباباً له.
ليس من غايات هذا المقال أن نقف على تلك الأسباب الأخرى (القوميّة والدّينيّة والثّقافيّة...) التي صنعت حالة العداء الغربيّ لروسيا أيّاً كان نظامُها الاجتماعيّ وإيديولوجيّتُها السّياسيّة (فقد تناولناهُ في مقالٍ نُشِر في هذا المنبر سابقاً)، وإنّما يُهِمّنا أن نقارب أزمةً انفجاريّةً في العلاقة بين الغرب وروسيا -تمثّلها الحرب في أوكرانيا- وفي علاقة الغرب بنفسه، أعني علاقة جناحيْه، الأمريكيّ والأوروبيّ، ببعضهما فضلاً عن وجوه الاحتداد والخفوت في كلّ هذه العلاقات بين أطراف الأزمة.
ما مِن تزيُّدٍ في القول إنّ للغرب ضلعاً في تأزيم العلاقة بروسيا وإيصال ذلك التّأزيم إلى لحظته الانفجاريّة في مطلع عام 2022. لا معنى لأيِّ افتراضٍ بأنّ روسيا مسؤولةٌ عن تهجيس دول أوروبا بمسألة أمنها القارّيّ بعد إطلاق العمليّة العسكريّة في أوكرانيا، على نحو ما تدَّعي ذلك العواصمُ الأوروبيّة. العكس هو الصّحيح، دول الغرب، الملتئمة في المنظومة الأطلسيّة، هي مَن رفَع من هواجس الأمن القوميّ لدى روسيا حينما شرعت في مدّ نفوذ «النّاتو» إلى حدود روسيا وسمحت لأوكرانيا بأن توفّر الذّرائع لاستدراج روسيا إلى حربٍ يستنزفها «النّاتو» فيها.
هذا ما حصل منذ نيّفٍ وأربعة أعوام من هذه الحرب، التي ثَبَتَ أنّها حربُ استنزافٍ، فعلاً، جُرّت إليها روسيا جرّاً، من غيرِ رغبةٍ منها فيها، وكلّفتْها الكثيرَ على نحوٍ ما استطاعت معه، حتّى الآن، حسمَها عسكريّاً -رغم تفوُّقها على أوكرانيا- ولا وجدتْ في المعروض عليها سياسيّاً ثمناً يَجْزيها حقوقَها الأمنيّة المهدَّدة ويكافئ ما ألحقتْهُ الحربُ بها من كبير الخسائر الاقتصاديّة والاجتماعيّة و، قطعاً، البشريّة والعسكريّة.
ربّما نجح الدّعمُ العسكريّ الأمريكيّ الواسع لأوكرانيا في التّقليل من وطأة الشّعور الأوروبيّ بالخوف من روسيا كمصدرٍ لتهديد الأمن الأوروبيّ. كان ذلك في العهد الرّئاسيّ لِجُو بايدن (المحرِّض الأوّل على الحرب)، حيث «النّاتو» معتمد سياسته العسكريّة والأمنيّة، وحيث الإنفاقُ العسكريّ يجري باسمه وتمثِّل المساهمةُ الأمريكيّة فيه الحصّةَ الكبرى. وقد منح الانخراطُ الأمريكيّ في الحرب الأوكرانيّة، آنئذٍ، هامشاً أوسع للمنظومة الأطلسيّة كي تشارك في معركة استنزاف روسيا، الأمر الذي تَقلّص معه حجم المخاوف الأوروبيّة من التّهديد الرّوسيّ.
ستتغيّر الصّورة مع وصول ترامب إلى السّلطة في واشنطن وشروعِه في تجريب محاولات إنهاء الحرب في أوكرانيا وترتيب مفاوضات سياسيّة للتّسوية وفي الضّغط على كييف بقبول مبدأ التّنازل عن بعض أراضيها لروسيا. وجدت أوروبا نفسها، هنا، وحيدةً وراء كييف في مواجهة روسيا -بعد أن رفع ترامب يدَ واشنطن عن دعم أوكرانيا- وأدركتْ، متأخِّرةً، أنّ المنظومة الأطلسيّة من دون أمريكا غطاءٌ صوريّ لا يوفّر أمناً ولا يكُفّ خطر روسيا عليها. هي المرّة الأولى، منذ عام 1949، التي ستجد فيها أوروبا نفسَها أمام روسيا، مباشرةً، من دون درعٍ أمريكيّ.
على أنّ واشنطن لا تفعل، في عهدها السّياسيّ الحاليّ، سوى ابتزاز أوروبا من وراء خوفها على أمنها من روسيا حينما ترفع عنها الحماية. أمّا ما على أوروبا أن تفعله لقاء وقْفِ واشنطن هذا الابتزاز فهو إبداءُ المزيد من الطّاعة لأمريكا والامتثال لسياساتها. ماذا نسمّي، مثلاً، إجبارَ إدارة بايدن حلفاءَها الأوروبيّين على وقف استيراد الطّاقة من روسيا مقابل بيْعِها (أمريكا) إيّاهم بأسعارٍ أعلى بكثير من أسعار روسيا... سوى أنّه استغلالٌ أمريكيّ صريح لهواجس أوروبا الأمنيّة واستثمارٌ سياسيّ فيها؟!
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة