الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

إفريقيا وإرث مركاتور

23 يونيو 2026 00:11 صباحًا | آخر تحديث: 23 يونيو 00:12 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
من النادر أن تثير خريطة للعالم نقاشاً سياسياً داخل أروقة الأمم المتحدة، لكن هذا ما يحدث، اليوم، مع تصاعد المطالب الإفريقية بإعادة النظر في «إسقاط مركاتور» الذي شكّل صورة العالم في الوعي العالمي لعقود، فالقضية لم تعُد تتعلق بطريقة رسم القارات على الورق، بل بسؤال أعمق يرتبط بمن يملك حق تمثيل العالم، وكيف تتشكل صور القوة والمكانة في الوعي الجمعي للشعوب،
فالخرائط، شأنها شأن كثير من الأدوات المعرفية، ليست مجرّد وسائل تقنية محايدة، بل تعكس رؤى تاريخية وموازين قوة سادت في حقب، ومن هنا تنظر أصوات إفريقية متزايدة إلى الجدل حول مركاتور بوصفه جزءاً من نقاش أوسع حول العدالة المعرفية، وإعادة النظر في الصور الذهنية التي أسهمت في تشكيلها مؤسسات التعليم، والإعلام، والتمثيل الجغرافي، عبر قرون، وفي هذا السياق، لا تبدو الدعوة إلى تصحيح الخريطة مجرّد مسألة فنية، بل محاولة لإعادة قراءة الموقع لإفريقيا في عالم يشهد تحولات، في مراكز النفوذ والتأثير.
صُمم إسقاط مركاتور في القرن السادس عشر لخدمة الملاحة البحرية، وقد أدى هذا الغرض بكفاءة، من خلال المحافظة على الاتجاهات والزوايا، الأمر الذي ساعد البحارة في رحلاتهم عبر المحيطات، غير أن المشكلة لم تكن في الوظيفة الأصلية لهذا الإسقاط، بل في تحوله إلى الصورة الأكثر انتشاراً للعالم في المناهج التعليمية، ووسائل الإعلام، والخرائط.
فبحكم خصائصه الرياضية، يؤدي إسقاط مركاتور إلى تضخيم مساحات المناطق القريبة من القطبين، وتقليص المساحات الواقعة بالقرب من خط الاستواء، ونتيجة لذلك، تبدو إفريقيا أصغر من حجمها مقارنة ببعض المناطق الشمالية، فعلى الرغم من أن مساحة إفريقيا تتجاوز أربعة عشر ضعف مساحة غرينلاند، فإن الخريطة التقليدية تجعل الفارق بينهما يبدو أقل مما هو عليه في الواقع.
وقد لا يتوقف أثر هذا التشويه البصري عند حدود الشكل الجغرافي، بل يمكن أن يسهم، مع مرور الزمن، في تشكيل تصورات عامة عن المكانة، والنفوذ، والأهمية، فالصورة التي تتكرر في الكتب المدرسية والوسائط الإعلامية لا تنقل المعلومات فقط، بل تساعد في بناء التصورات الذهنية لدى الأجيال حول العالم، وترتيب مراكزه وأطرافه،
ومن هذا المنطلق، اكتسبت حملة «صحّحوا الخريطة» زخماً، داخل إفريقيا وخارجها، وقد حظيت الحملة بدعم الاتحاد الإفريقي الذي كلف توغو بالعمل على الدفع نحو تبنّي خريطة أكثر دقة في تمثيل أحجام القارات، من خلال طرح مشروع قرار أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، ويعكس هذا التحرك انتقال النقاش من الدوائر الأكاديمية والثقافية إلى مستوى العمل المؤسسي والدبلوماسي.
ولا تنطلق هذه المطالب من رفض للتراث الخرائطي، أو للإنجازات العلمية التي ارتبطت به، بل من الرغبة في اعتماد تمثيل بصري أكثر دقة للواقع الجغرافي، فالعالم اليوم يمتلك أدوات تقنية ومعرفية تتيح استخدام إسقاطات بديلة، مثل «إسقاط الأرض المتساوية»، الذي يحافظ على الأحجام النسبية الحقيقية للقارات والدول.
ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي التعامل مع هذه القضية بعيداً عن المبالغات، أو الخطابات الاستقطابية، فالمسألة ليست صراعاً بين الشمال والجنوب، ولا محاولة لاستبدال مركزية بأخرى، بل دعوة إلى مراجعة بعض الأدوات البصرية التي أصبحت جزءاً من الوعي العالمي، على الرغم من محدوديتها في تمثيل المساحات، فالغاية ليست إعادة كتابة التاريخ، وإنما تحسين الطريقة التي نرى بها العالم اليوم.
كما أن أهمية هذه القضية لا تنبع من بعدها الجغرافي فقط، بل من ارتباطها بتحولات أوسع يشهدها النظام الدولي. فإفريقيا التي تضم أكثر من مليار ونصف المليار نسمة، وتمتلك موارد طبيعية، وأسواقاً واعدة، وقوة بشرية شابة، تسعى إلى أن يُنظر إليها وفق معطياتها الحقيقية، لا من خلال صور ذهنية تراكمت عبر قرون من الاستخدام لخرائط لا تعكس حجمها بدقة.
والأهم من ذلك، أن النقاش حول الخرائط يذكّرنا بأن النفوذ لا يتجسد في الاقتصاد، أو السياسة، أو القوة العسكرية فقط، بل يمتد إلى المجال الرمزي والمعرفي، فالصور والرموز والخرائط، تسهم في تشكيل فهم المجتمعات لذاتها وللآخرين، وتؤثر بصورة غير مباشرة في بناء التصورات العامة عن المكانة، والدور، والأهمية.
لذلك، فإن المطالبة بخرائط أكثر دقة لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قضية تقنية هامشية، بل بوصفها جزءاً من نقاش أوسع حول الإنصاف في تمثيل العالم، فالخريطة ليست مجرّد رسم للأرض، وإنما طريقة لفهمها وترتيب معانيها في الوعي،
وفي النهاية، يبقى إرث مركاتور مثالاً على الكيفية التي يمكن أن تستمر بها أدوات تاريخية في التأثير في إدراكنا للعالم، ومع تنامي الاهتمام العالمي بقضايا العدالة المعرفية، والتمثيل المتوازن، تبدو الدعوات الإفريقية لتصحيح الخريطة جزءاً من مسار أوسع يسعى إلى رؤية أكثر دقة وإنصافاً للعالم، رؤية تعكس الحقائق الجغرافية كما هي، لا كما اعتادت بعض الخرائط أن تصوّرها عبر القرون.
*باحث في منصة (مفكرو الإمارات)

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة