.. بعض الأماكن لا تسقط من محفظة الذاكرة بمرور الزمن، بل تتحول إلى صور، والصورة مثل الفوتوغراف لا تُمحى إلا بالنار..
مررت، أمس، سريعاً بالدّوّار الثالث في جبل عمّان، وكما قال الشاعر: وتلفّتَتْ عيناي، فمذ خفيت عنّي الطلولُ تلفّتَ القلب، وسريعاً أيضاً، سيدور الشريط منذ منتصف الثمانينات وإلى اليوم..
هنا في محيط هذا الدّوّار كان مطعم النيروز، وكنت أُسمّيه مطعم الظهيرة، أو مطعم كتّاب الظهيرة، حيث محمد القيسي بشَعره الطويل، وحقيبته الجلدية، وقصائده إلى سارا وإلى زعتر أيّامها، كان شعر المشي بامتياز. طريقه معروفة في وسط البلد، وعيناه مثل عينيّ صقر يرسلهما إلى طرائده بخفّة سنجاب.
كان سيّد المشي. كان مشّاء عمّان من الظهيرة إلى الليل، وفي مطعم النيروز ينتظره شعراء الثمانينات. ثلاثة أو أربعة شعراء كانوا دائماً شهود عيان على اشتعالات عبدالله، فقد تقمّص هذا الاسم الإنساني الشمولي. عبدالله، لا عبد السيد والأمير والجنرال، يكتب ويمشي، وكان يقول الشارع أجمل من سقف. كان يمشي بلا سقف، ويكتب بلا حدود..
كان القيسي يكتب الشعر والنثر بغزارة يومية لا مثيل لها بين شعراء جيله، كما لو أنه كان يحدس بأنه سيموت فجأة، وفجأة رحل، في عزّ غزارته وفي عزّ حيويته، ولو مدّ الله في عمره، لكان الآن في الخامسة والثمانين أو أقل من هذا العمر المكتمل بالحكمة، والخبرة، والسفر، من مدينة إلى مدينة باحثاً عن (بينلوب)، ومن دون أن يستعير شيئاً من قصة عوليس. وفي النهاية، لم يكن الأمر سوى لحظة فقط، اختفى الرجل صاحب الشَّعر الطويل، والقصائد القصيرة، مثل عمره الجميل..
عند الدّوّار الثالث، يتلفّت القلب مرة ثانية، هذا محمد طملية، أوّل من أدخل الكتابة الساخرة في الصحافة الأردنية. بدأ حياته كاتب قصة، أما داخله فقد كان (رحماً) لشاعر، شاعر يكتب القصة، ثم ترك كل شيء للشعراء، وأخذ يسخر من الغباء والجهل والغرور.
كان مطعم الظهيرة ذاك فضاء يومياً للضحك و(النسيان). كان أفقاً للكتابة والحياة. حياة المرء بلا تبعات وبلا أثقال. فقط الكتابة والالتقاء هنا على طاولة أو طاولتين متجاورتين: حبيب الزيودي، جمال أبو حمدان، أحياناً رسمي أبو علي، أحياناً لأنه لاعب الورق المحترف في مقاهي وسط البلد. لا أحد يضاهيه على الطاولة، لا أحد يغلبه، لا أحد كان يغلب ذلك القط مقصوص الشاربين..
.. وأيضاً يتلفّت القلب، هنا جلست ذات ظهيرة منى السعودي، سيدة الحجر، النحّاتة التي كانت تبحث عن الماء في قلب الحجارة. وهي، كذلك، كما لو كانت تبحث عن الحجر في الماء.
يتلفّت القلب، والعينُ تسأل: أين ذهبت الظهيرة؟ وأين ذهب كتّابها وشعراؤها وعشاقها الكبار؟ لا أحد يجيب.
.. ما في حَدا.. لا تندهي، ما في حَدا..
