الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

محرقة مناخية تصهر العالم

25 يونيو 2026 00:29 صباحًا | آخر تحديث: 25 يونيو 00:29 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
تطرح جائحة الحر غير المسبوقة في أوروبا ذات الأسئلة المشروعة عن أسباب هذه الظاهرة المميتة وتداعياتها بعيدة المدى على الصحة العامة واستقرار الطقس، في ظل انكفاء صناع القرار السياسي في العالم عن كبح هذا الانزلاق المناخي المروع والانغماس في صراعات وحروب وأطماع جيوسياسية متنافرة.
منذ أكثر من ثلاثة عقود، تنظم الأمم المتحدة سلسلة من مؤتمرات الأطراف المعنية بتغير المناخ، تُعقد سنوياً لتقييم التقدم المحرز، والتفاوض بشأن الالتزامات الدولية للحد من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري. وكل المؤتمرات، أصدرت توصيات لمعالجة هذه الظاهرة، غير أن الفعل الدولي لم يرتقِ إلى الاستحقاقات المطلوبة، ولم يستجب إلى التحذيرات الصارخة، وأهمها ما صدر عن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، في أحد المؤتمرات، «نحن على طريق سريع نحو الجحيم المناخي، وأقدامنا لا تزال تضغط على دواسة السرعة».
وبالفعل فإن ما تشهده القارة الأوروبية هذا الصيف يؤكد أن هذه الظاهرة الحرارية تنطلق بلا مكابح، بل إنها حولت التحذيرات الأممية الحارقة إلى واقع يومي ملموس، يعصف بمدن القارة وعواصمها. فبينما تتهاوى الأرقام القياسية لدرجات الحرارة، وتجف الأنهار الحيوية، وتلتهم الحرائق ما تبقى من مساحات خضراء، تتبدى جائحة الحر هذه كشاهد عيان على فداحة العجز البشري، ليس لانعدام إيجاد الحلول، وإنما لغياب الإرادة السياسية، والتقاعس عن تنفيذ الالتزامات والقوانين الدولية التي بقيت تدور في حلقة مفرغة من الوعود المؤجلة والتمويلات الخجولة، بينما تلتهم الحرارة والفيضانات والحرائق جغرافيا الأرض بلا هوادة.
من المؤسف أن بعض القوى الدولية الفاعلة لا تلقي بالاً إلى هذا الخطر الداهم، وتنسحب من هذه المعركة الوجودية، لتفتعل حروباً أخرى، وتنساق إلى صراعات ما كان لها أن تنشأ لو تنزهت عن مصالحها الضيقة، وتخلت عن أوهام الهيمنة الجيوسياسية. ووفق هذا المنطق، فإن تحويل الطاقات والموارد الاقتصادية نحو الإنفاق العسكري وصراعات النفوذ يمثل جريمة مزدوجة في حق البشرية، إذ تستنزف مقدرات مليارية بلا عد، كان بإمكان جزء يسير منها أن ينقذ مليارات الناس من الإجهاد الحراري وكوارث الجفاف والمجاعة والأمراض المستجدة.
وإذا كانت تداعيات الحروب العسكرية تظل محصورةً في نطاقٍ جغرافي محدود، ومحكومةً بمدى زمني ينتهي بأشهرٍ أو أعوام، فإن المصيبة الأعظم تكمن في أن خسائر التغير المناخي عابرة للحدود والقارات، ومستمرة إلى أجلٍ غير مسمى، فالمناخ لا يعترف بالحدود السياسية، والانهيار البيئي لن يستثني دولة عظمى أو قوة فاعلة، فالجميع في سفينة الأرض إما أن ينجوا معاً، وإما أن يغرقوا معاً في جائحة الحر.
الشهر الماضي، توقع تقرير صادر عن المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، وصول متوسط ‌درجات الحرارة حول العالم إلى مستويات قياسية خلال السنوات الخمس المقبلة، وهو ما يضع قادة العالم أمام حقيقة مرعبة لا تقبل التأويل، وهي أن كوكب الأرض مقبل على محرقة مناخية غير مسبوقة تصهر كل الخطوط الحمراء التي رسمتها المعاهدات الدولية، وأن من يضعون سيناريوهات الحرب العالمية الثالثة يتناسون أن الحرب الوجودية الحقيقية قد بدأت بالفعل، ومن سوء الصدف أن شرارتها تتأجج مرة أخرى في أوروبا. فما تشهده دول القارة من حرارة قياسية قد يشكل بداية جرس إنذار أخير في العواصم التي قادت الثورة الصناعية وتواجه اليوم طبيعة غاضبة لم تألفها منذ بدء الخليقة.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة