من مفارقات الحرب الإيرانية أنها قلبت معادلة الحروب بالوكالة، فقامت الولايات المتحدة بدور الوكيل في هذه الحرب كما في دورها في المفاوضات وتوقيع مذكرة التفاهم، والبدء في المفاوضات. هذا الدور تقوم به الولايات المتحدة نيابة عن إسرائيل. فليس هناك ما يبرر دخول الولايات المتحدة في هذه الحرب، لأن من يريد الحرب هي إسرائيل. وكما يقول جون ميرشايمر أستاذ العلوم السياسية: إن إسرائيل تريد هذه الحرب ولا أحد يريدها. والسؤال لماذا؟ إن أهداف إسرائيل من هذه الحرب وكل حروبها هو الحفاظ على بقائها وأمنها، وتحقيق هدف «إسرائيل الكبرى» وإقامة «الشرق الأوسط الجديد» الذي وصفه نتنياهو بأن إسرائيل في قلبه بصفتها دولة قوة وحيدة ومن دون فلسطين.
هذا الهدف تدرك إسرائيل أنها لا تستطيع تحقيقه بمفردها، ومن هنا يأتي الدور الأمريكي في تحقيقه وغيره من الأهداف، فكان الدور المباشر للحرب، وإن أدت إسرائيل دوراً مسانداً، لكن تحت المظلة الأمريكية باعتبارها القوة الأحادية في العالم والمتحكمة في المنطقة. فكانت حرب الستين يوماً التي كلفت أمريكا أكثر من مئة مليار دولار وهزت صورتها بصفتها قوة أحادية في العالم، فركزت في حربها على ضرب البنية التحتية لإيران وتدمير مواقعها النووية وتقليص قدراتها العسكرية والصاروخية.
والصورة الأخرى لهذه الحرب الأكثر مفارقة، تركيز إسرائيل على جنوب لبنان وضرب قوة «حزب الله» وتفكيك الدولة اللبنانية وتثبيت وجودها في سوريا وتسميها دويلات طائفية صغيرة، والأخطر هو إغلاق ملف القضية الفلسطينية والدولة الفلسطينية. فعلى الرغم من اتفاق غزة ما زالت إسرائيل تمارس الحرب والعدوان على القطاع، وضم أكثر من نصف مساحته، وتعطيل عمل اللجنة الوطنية، ثم تسريع عمليات الضم والتهجير في الضفة الغربية إدراكاً منها أن الوجود السكاني الفلسطيني هو العقبة الكبرى في تحقيق سردية إسرائيل الكبرى.
هذه السياسات تتم أيضاً بضوء أخضر أمريكي مقابل عدم تعطيل إسرائيل لأي اتفاق مع إيران.
ما يهم أمريكا وإسرائيل هو تجريد إيران من قوتها، وتقليص وجودها في المناطق المجاورة لإسرائيل كما في لبنان وسوريا والعراق ورفع يدها عن القضية الفلسطينية، وعدم معارضة إيران لعلميات السلام والتطبيع مع إسرائيل. لقد أدركت إسرائيل أن إيران النووية والموجودة في سوريا ولبنان والعراق وغزة، مع وجود الشعب الفلسطيني على أرضه هو العائق الأكبر لتحقيق نفوذها وتحقيق حلم «إسرائيل الكبرى».
وفي هذا السياق، فإن الهدف من التفاوض مع إيران خلال الستين يوماً وتنفيذ بنود مذكرة التفاهم ببنودها ال 14 هو عدم امتلاك إيران للقوة النووية وفتح أبواب السلام والتطبيع مع إسرائيل. ولعل هذا يفسر لنا استجابة الولايات المتحدة للكثير من مطالب إيران في رفع الحصار والأرصدة المجمدة، ودور إيران في مضيق هرمز. وهو ما يعني التخلي عن هدف تغيير النظام الإيراني.
لعل من مفارقات الدور الأمريكي كما سنرى في فترة التفاوض هو تحقيق السلام ومحاولة خلق بيئة يمكن من خلالها تطبيع العلاقات مع إسرائيل. ويبقى أن إسرائيل والولايات المتحدة لم تحققا كل أهدافهما من الحرب الأخيرة.
ويلخص الموقف من الحرب والتفاوض ما قاله ترامب لنتنياهو: «إن أكثر شيء كنت تريده حققته لك من هذا الاتفاق».. ربما هذا القول يحمل الكثير من المبالغة، لأن نتنياهو كان يريد تدمير إيران وتغيير نظامها، ويحقق ما يحلم به وهو «إسرائيل الكبرى».
