في المبدأ باتت المفاوضات في عصرنا الحاضر من الوسائل الضرورية المتبعة لحل القضايا المختلفة، وتبدو القضايا العسكرية والأمنية من أكثر المسائل المعقدة التي يلجأ إليها الأطراف في مجال المفاوضات، إما مباشرة بين أطرافها وإما بالوساطات مع أطراف آخرين، وفي الواقع يبدو لبنان من أكثر دول العالم التي تعلق آمالاً كبيرة على حل مشكلاتها المعقدة عبر هذه المفاوضات الجارية حالياً، رغم انقسام اللبنانيين على مبدأ التفاوض المباشر مثلاً، فيما ينظر إليه آخرون على أنه الوسيلة المناسبة لاحتواء القضايا التي تبدو أكثر تعقيداً في العالم.
ويبدو مبدأ المفاوضات الذي انطلق مؤخراً بين لبنان وإسرائيل غريب المفارقات، فهو متعدد المسارات ويستند إلى وجهات متنوعة، وهي ذات طابع مباشر انطلق في واشنطن برعاية أمريكية سياسية في وزارة الخارجية، وعسكرية أمنية في البنتاغون، وهما مساران مرتبطان مباشرة.
في السياق التفاوضي الثاني فهو غير مباشر، ويجري حالياً في سويسرا عبر الوفدين الأمريكي والإيراني علاوة على أطراف انضموا إلى المفاوضات كأطراف وسيطة مثل قطر وباكستان، بهدف الإسهام في توفير الأجواء للاستمرار والتوصل إلى بيئة يمكن البناء عليها خلال فترة الستين يوماً المقترحة للمفاوضات.
والأغرب في هذا المجال أن لبنان الحاضر الغائب في مفاوضات سويسرا، ربما يمتلك حظوظاً قوية للاستمرار وتوفير الظروف القابلة للحياة، على قاعدة أن الطرفين الرئيسيين الولايات المتحدة وإيران يمتلكان القوة الأكثر اعتباراً للتفاوض والتوصل إلى مسارات واضحة، فيما لا تمتلك مسارات واشنطن المباشرة في بعض الجوانب قوة وموارد يمكن من خلالها الوصول إلى بيئة قادرة على فرض شروط لازمة للمتابعة.
في الواقع تمثل مفاوضات سويسرا مساراً لا تحبذه السلطات اللبنانية، وأحياناً تعتبره أمراً لا يعنيها وغير ملزم لها، من مبدأ السيادة التي تعتبر المشاركة في المفاوضات أمراً تحدده السلطات اللبنانية، فيما الواقع عملياً لا مشاركين لبنانيين فيها، وتعتبر إيران نفسها طرفاً قادراً على استعمال أوراق تفاوضية وازنة لفرض نتائج لمصلحة لبنان. لكن في الجنوب اللبناني ثمة عوامل لا تعد ولا تحصى لتفجير الأوضاع وبالتالي عدم الاستفادة من هذه الورقة التفاوضية، وبالتالي إمكانية التخفيف من وزنها التفاوضي، سيما أن المعني الآخر بذلك هي إسرائيل التي تتأثر عملياً في الموقف الأمريكي وممارسة الضغوط عليها في هذا الجانب وليس ورقة طهران. وفي أي حال من الأحوال، ثمة ستين يوماً من المفاوضات التي يتم التعليق عليها، يحيط بها مخاطر كثيرة مرتبطة بحجم الابتزاز التفاوضي والقدرة على استمرارية البقاء إلى أوقات لاحقة. وبصرف النظر عن قوة الدفع والاستمرار فيها تبقى مقيدة في الأساس من رغبة وقدرة واشنطن وطهران المضي فيها لجهة إشراك لبنان فيها واستمرار القدرة على الاستمرار عبرها.
أما فيما يتعلق بالمفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل في واشنطن، فالطرف الأمريكي الوسيط الذي يشرف على المفاوضات ويمسك تفاصيلها، يعتبر الأقدر على ضبط طرقها ووسائلها، وبالتالي امتلاك القدرة على التدخل وصولاً إلى فرض المساحات التي يراها كافية لتمرير ما يريد. أما لجهة لبنان الذي يشارك في مسارين سياسي، وعسكري وأمني فهو في الواقع لا يمتلك أوراقاً تفاوضية قوية، فجنوبه محتل ومدمر، وهو ليس مشاركاً في المعارك الحاصلة، وبالتالي يتكئ على الطرف الأمريكي في مواجهة المطالب الإسرائيلية التي تعتبر قاسية، وهو أمر يعكس موازين القوة القائمة على الأرض. فإسرائيل مثلاً التي تمتلك أوراقاً عسكرية وأمنية ومشاريع طرحتها سابقاً بدعم أمريكي، تعرف في النتيجة أن الضغوط التي مارستها سابقاً بهدف عدم الوصول إلى مستويات غير منضبطة، تهدف من خلالها إلى عدم السماح بالقفز فوق بعض الخطوط التي تعتبر ضرورية لاستمرار المفاوضات وعدم كسرها في محطات معينة.
ومن الملاحظ هنا أن ثمة ضغوطاً أمريكية كبيرة قد مورست على إسرائيل وأجبرتها على الانصياع لوجهة النظر الأمريكية، ومن بينها مثلاً قبولها بوقف إطلاق النار في جنوب لبنان رغم ملاحظة عدم الضبط الإسرائيلي التام في هذا المجال.
وفي أي حال من الأحوال، فلبنان الماضي في طريق المفاوضات المباشرة في واشنطن، علاوة على غير المباشرة في سويسرا، عليه محاولة الاستفادة من هذه الخيارات، سيما أنه ليس لديه أوراق ضاغطة وكافية للتأثير المباشر على القوى المعنية. فلبنان سبق ومشى في مسارات تفاوضية سابقة بوجه إسرائيل وتمكن في بعضها من التأثير والحصول على ما يريد، لذا علَّ وعسى أن يكون هذا المسار كافياً لحمايته في ظروف إقليمية ودولية ليست مهيأة لحمايته من مشاريع بدت ملامحها جاهزة للتنفيذ في أي خطوة قادمة.
