الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

استقالة ستارمر.. ومستقبل بريطانيا

27 يونيو 2026 00:01 صباحًا | آخر تحديث: 27 يونيو 00:02 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
تعيش بريطانيا، منذ نجاح الاستفتاء على خروجها من الاتحاد الأوروبي، عام 2016 والمعروف باسم «بريكست»، حالة من عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي، ما تسبب في وضع أشبه بالفوضى السياسية.
لقد تعاقب 6 رؤساء وزراء على رئاسة الحكومة فيها خلال العقد الأخير، لأن الأحزاب الكبرى فقدت ثقة الناخبين بسبب البرامج الحكومية العاجزة عن تلبية احتياجات البريطانيين خاصة في ملفي الاقتصاد والهجرة، وقد كان رئيس الوزراء المستقيل كير ستارمر أحد أولئك السياسيين الذين تم الدفع به نحو الاستقالة من قبل حزبه (حزب العمال) حتى لا يخسر الحزب الانتخابات المقبلة لصالح منافسه التاريخي حزب المحافظين، وقطعاً لم يكن ستارمر سيئاً ولا ضعيفاً، بل كان يفتقد إلى الوسيلة التي تمكنه من تطوير الاقتصاد وتخفيف ضغوط المعيشة عن الشعب.
وقد أكد ستارمر في خطاب استقالته من منصة أمام مقر رئاسة الوزراء في «10 داونينغ ستريت» يوم الأحد الماضي، أن «كل قرار اتخذته كان يهدف إلى وضع مصلحة بلدي الحبيب في المقام الأول، لهذا السبب سأستقيل من منصبي كزعيم لحزب العمال»، ويُعدّ آندي بورنهام، عمدة مانشستر السابق، المرشح الأوفر حظاً للوصول إلى منصب رئيس الوزراء، ولا شك، أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي لم يكن قراراً حكيماً، ورغم أن ذلك أرضى شريحة تمثل أغلبية نسبية من الشعب البريطاني، لكنه أضرّ بالمصلحة العليا للبلاد، التي هي مجموعة من الجزر الصغيرة في شمال أوروبا، ولا تملك الكثير من الموارد، في الوقت الذي تسعى فيه للحفاظ على مكانتها كقوة عالمية عظمى.
لقد كان الاتحاد الأوروبي بدوله الكثيرة يمثل فضاء اقتصادياً كبيراً متاحاً أمام الإنجليز، وكانت لندن مركزاً مالياً ضخماً قبل ظهور فكرة السوق الأوروبية المشتركة، لأنها كانت عاصمة لأكبر إمبراطورية عرفها التاريخ، وظلت كذلك بعد انضمامها إلى السوق الأوروبية المشتركة، كما ظلت مركزاً مالياً رئيسياً خلال فترة بقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي، وكانت الكثير من الحكومات والشركات في الاتحاد الأوروبي تلجأ إلى شركات لندن المالية من أجل تخليص المعاملات المالية العابرة.
وكان هناك قطاع كبير من الشعب البريطاني يعمل في شركات المال، وبعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، فقد صرفت دول وشركات الاتحاد الأوروبي النظر عن اعتمادها على الشركات البريطانية بسبب عودة الضرائب بين الجانبين، وصارت تعتمد على الشركات المالية المحلية، ما أدى إلى تراجع عمل الشركات البريطانية، ورغم أنها لم تختفِ من الوجود، لكن بعضها أعلن الإفلاس، وشركات أخرى قللت عدد العاملين فيها.
وقد انعكس هذا سلباً على الوضع الاقتصادي في البلاد، ومن جانب آخر، فقد كانت بريطانيا ولا تزال داعماً كبيراً لأوكرانيا بالمال والسلاح، ووفق بيانات وزارة الخارجية البريطانية، فقد بلغ الدعم غير العسكري الذي قدمته لأوكرانيا منذ بدء الحرب ، 4.7 مليار جنيه إسترليني، ويشمل هذا الدعم أكثر من 4.1 مليار جنيه إسترليني كدعم مالي، وأكثر من 640 مليون جنيه إسترليني كمساعدات ثنائية، وبذلك يصل إجمالي الدعم العسكري والإنساني والاقتصادي الذي تقدمه بريطانيا لأوكرانيا إلى 9.3 مليار جنيه إسترليني.
هذا الإنفاق يضغط على الموازنة البريطانية، كما أن دول الكومنولث الخمس عشرة والتي تعترف بالملك شارلز ملكاً عليها، وعلى رأسها أستراليا وكندا، قد تتأثر بهذه الأوضاع فقد يتراجع النمو الاقتصادي فيها، فالحكومة الفيدرالية الكندية تعاني عجزاً يقارب 80 مليار دولار، وهي تُنفق فعلياً أموالاً لا تملكها لمعالجة نقاط الضعف العاجلة، وكذلك تعاني أستراليا ديوناً تبلغ 960 مليار دولار، وسوف تصل خلال عام 2026 إلى مستوى تريليون دولار، ورغم أن الناتج القومي لأستراليا يبلغ نحو 3 تريليونات دولار، لكن هذا الرقم ليس كبيراً مقارنة بالديون الموجودة، وبالتالي فإن أكبر دولتين في الكومنولث البريطاني تعانيان اقتصادياً وغير قادرتين على دعم المركز الرئيسي لهما وهو بريطانيا.
وتنعكس الحالة السياسية والاقتصادية المتردية على شعور المواطنين في الجزر التي تتألف منها بريطانيا مثل: ويلز وإسكتلندا وإيرلندا الشمالية، فقد قال ستيفن فلين، زعيم الحزب الوطني الإسكتلندي في وستمنستر: «ستكون هناك صدمة دستورية في هذه الجزر»، معرباً عن أمله في فوز الحزب الوطني الإسكتلندي في إسكتلندا، وفوز حزب بلايد سيمرو في ويلز، وبينما لم يلتزم القوميون الويلزيون بإجراء استفتاء فوري، ينص دستور حزب بلايد سيمرو (Plaid Cymru) على أن هدفه هو «تأمين استقلال ويلز في أوروبا»، وفي أيرلندا الشمالية، لا يزال الحزب الجمهوري الأيرلندي (شين فين) ملتزماً بوحدة أيرلندا، وهو لم يضغط بعد لإجراء استفتاء لانفصال أيرلندا الشمالية عن بريطانيا، ولكنه قد يفعل ذلك مع تزايد المشاكل وانعدام الحلول.
لا شك، فإن الجسد الضعيف تنهشه الأمراض، وتعالي النزعات الانفصالية في بريطانيا دليل على ضعفها وانزلاقها إلى حافة الهاوية.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة