كان مفهوم «مكاتب إدارة الثروات العائلية» في السابق حكراً على فئةٍ معينة من أصحاب الثروات، حيث كان بمثابة مركز قيادةٍ لأنشطة المليارديرات، أما الآن فقد باتت «خدمات مكاتب إدارة الثروات العائلية» منتشرةً في كل مكان، وتتنافس البنوك وشركات الوساطة المالية الوطنية وشركات الاستشارات المالية المستقلة على هذا اللقب.
بالنسبة للعائلات الثرية، يُمثل هذا التغيير فرصةً ذهبيةً، ولكنه قد يُسبب بعض الارتباك، وبالرغم من انتشار المصطلح، فقد ازدادت قائمة خدمات تلك المكاتب بشكلٍ هائل، إلى جانب المكونات التقليدية لإدارة الاستثمارات، وتخطيط التركات، وإعداد التقارير المالية الموحدة، تشمل الخدمات المتاحة الآن كل شيء بدءاً من دفع فواتير المنزل وتوفير الموظفين، وصولاً إلى برامج التثقيف المالي المتطورة، وحتى دعم الأمن السيبراني.
وقد نشأت منظومة متكاملة من الشركات المتخصصة لتقديم خدمات دقيقة، مثل إدارة الطائرات الخاصة واليخوت، وتقديم الاستشارات في مجال الفنون والمقتنيات الأخرى، وغالباً ما يلعب فريق المستشارين الماليين، بمن فيهم العديد من الفرق المصنفة ضمن أفضل 250 فريقاً لإدارة الثروات الخاصة، دور القيادة والتوجيه.
قد تبدو باقة خدمات المكاتب العائلية القابلة للتخصيص قمة الرفاهية في القرن الحادي والعشرين، لكن ينصح الخبراء العائلات بالتفكير ملياً في نوع المساعدة التي يرغبون فيها ويحتاجونها، والشركات القادرة على تقديمها فعلياً، ومدى جدواها الاقتصادية.
قبل أن تتمكن العائلات من فرز عروض المكاتب العائلية، تحتاج إلى فهم واضح لما يقوم به المكتب العائلي الحقيقي، المكتب العائلي في جوهره، هو فريق متخصص يدير الشؤون المالية والإدارية، وأحياناً الشخصية، للعائلة.
تاريخياً، كان هذا المستوى من التخصيص مناسباً فقط للأثرياء فاحشي الثراء، غالباً ما تتكلف إدارة مكتب إدارة ثروات عائلة واحدة ملايين الدولارات سنوياً، هذا الأمر حصرها في العائلات التي تملك 250 مليون دولار أو أكثر، أو التي تملك مليار دولار أو أكثر، لكن الأمور تتغير، في هذه الأيام، يقول بعض الخبراء: إنّ 100 مليون دولار قد تكفي لدعم مكتب إدارة ثروات عائلة واحدة، وما بين 25 و50 مليون دولار لدعم مكتب إدارة ثروات عائلات متعددة، حيث تخدم شركة استشارية واحدة عدة عائلات.
إذن، لماذا أصبح مصطلح «مكتب إدارة الثروات العائلية» فجأة جزءاً من عروض المستشارين الماليين للعائلات الثرية؟ أولاً، لأنّ عدد هذه العائلات قد ازداد، ازداد عدد الأسر فائقة الثراء بشكل ملحوظ مع تراكم الثروات في قطاعات مثل التكنولوجيا والرعاية الصحية والاستثمار الخاص، يوجد حالياً أكثر من 101240 أسرة أمريكية تمتلك أصولاً لا تقل عن 30 مليون دولار، بزيادة قدرها 8% عن العام السابق، ما يجعل قيمة السوق 11.3 تريليون دولار، وفقاً لشركة «شواب أدفايزر»، وقد أسهم الارتفاع الطويل في أسعار الأصول في تعزيز هذا النمو.
ورغم صعوبة إقناع الأسر ذات الثروات الراسخة بالتخلي عن مستشاريها الماليين الموثوقين، إلا أن الأثرياء الجدد يُعتبرون هدفاً رئيسياً، وهذا ما يدفع المستشارين الماليين إلى بذل جهود حثيثة، فهؤلاء المؤسسون والمديرون التنفيذيون والرياضيون والفنانون الذين أصبحوا أثرياء مؤخراً يحتاجون إلى مساعدة عاجلة لتحويل ثرواتهم المفاجئة إلى دخل ثابت، وتنويع استثماراتهم، وإدارة الضرائب، ووضع خطط مالية طويلة الأجل، لكن الثروة المادية ليست بالضرورة هي ما يستدعي خدمات إدارة الثروات العائلية.
يعرض مقدمو خدمات إدارة الثروات العائلية، القدامى والجدد، خدمات أكثر فأكثر في سعيهم لجذب هؤلاء العملاء، تشمل هذه الخدمات تصميم برامج العمل الخيري وإدارة المنح، وتثقيف الورثة حول كيفية إدارة ثروات العائلة، أصبح الوصول إلى الاستثمارات غير العامة شرطاً أساسياً لخدمة الأثرياء، وخاصة أولئك الذين جمعوا ثرواتهم من خلال تأسيس شركات خاصة أو إدارتها أو الاستثمار فيها مباشرة، يلجأ هؤلاء إلى مكاتب إدارة الثروات العائلية ليس فقط للإشراف على استثماراتهم، بل أيضاً لتكون بمثابة بوابة لهم إلى الأسواق الخاصة.
لا يزال مكتب إدارة الثروات العائلية الفردية يمثل قمة التفرد، فهو يوفر أقصى درجات التحكم والتخصيص والخصوصية، ولكنه يتطلب التزاماً كبيراً، لتصبح العائلة فعلياً بمثابة جهة توظيف لشركة مالية صغيرة، مسؤولة عن توظيف المتخصصين والاحتفاظ بهم، وإدارة التعويضات، والإشراف على الامتثال، وتحمل مخاطر الأمن السيبراني والمخاطر التشغيلية.
يتجه القطاع نحو بناء أنظمة عمل متكاملة، وليس بالضرورة نحو مكاتب إدارة الثروات العائلية الكبيرة، والهدف من ذلك أن العائلات تتجه بشكل متزايد إلى تكوين شبكات من المتخصصين بدلاً من إنشاء مؤسسة داخلية بالكامل وتوظيف كوادرها.
أما بالنسبة لمن لا يرغبون في التعامل مع مكتب إدارة ثروات عائلية خاص بهم، فإن مكتب إدارة الثروات العائلية المتعددة هو الخطوة التالية، بدأت هذه الشركات الاستشارية بالظهور في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي، وشكّلت نقلة نوعية في هذا المجال.
* كاتب عمود ومحلل مالي ومصرفي لدى شكة «تراست» (بارونز)
