ربما لا يعرف كثيرون أن الجيم القاهرية هي الجيم الصنعانية، وأن العامية المصرية ليست متطابقة في مصر كلها، بل تختلف في المحافظة الواحدة بين شمال وبين جنوب، حيث المحافظة هي وحدة التقسيم الإداري، ويبلغ عددها 27 محافظة، موزعة بين الوجه البحري «الشمال»، وبين الوجه القبلي «الجنوب»، وهو بحري لأنه قريب من البحر المتوسط، أما القبلي فلأنه باتجاه قبلة الصلاة.
وللوجهين أسماء أخرى، حيث مصر العليا هي الصعيد، أي الجنوب، ومصر السفلى هي الدلتا، التي تبدأ من نقطة تفرع النيل إلى فرعين رئيسيين، هما فرع دمياط وفرع رشيد، حيث يصبان في البحر المتوسط عند المدينتين الساحليتين.
وكان المتجه من الشمال إلى الجنوب، أي من القاهرة مثلاً إلى أسوان، يقول طالع أسوان، أما إذا كان قادماً من أسوان إلى الشمال فيقول نازل مصر، أي القاهرة.
وبمناسبة العليا والسفلى، كان بعض الصعايدة أبناء الجنوب يتندرون على أهل بحري أو الدلتا، فيقولون: سلام من أبناء الأعالي إلى أبناء الأسافل!
ورغم ذلك التباين المناطقي في نطق العامية فإن اللهجة المصرية تتسم عموماً بنطق الصاد سيناً، والسين زاياً، والطاء تاءً، والضاد دالاً، والظاء زاياً مفخمة فيقال صقع: «سكع فلان قلماً» أو «لدعه قلماً»، ربما جاءت من اللطع بمعنى الضرب.. ويقال «مدغ» أي مضع، وفيها أيضاً استبدلت التاء بالثاء والدال بالذال، والضاد بالظاء، والهمزة أو الجيم بالقاف.
وفي ذلك أتذكر الطرفة التي حكاها لي السفير أحمد عمرابي الذي شرفت بزمالته في «الخليج»، حيث ترأس القسم الاقتصادي، وهو من السودان، إذ قال إن مصرياً عاب على سوداني نطق القاف غيناً، حتى اسم الله القادر لم يفلت فصار «الغادر»! ورد السوداني بأن ذلك أفضل من المصريين الذين يقولون الله الآدر، ومعناه المصاب بفتق أسفل بطنه، ولا ينطقونها القادر.
ويذهب الدكتور إبراهيم أنيس إلى أن ثمة اتجاهات صوتية في اللهجة المصرية، منها الميل إلى الهمس مثل «اتكرع» التي انحدرت من «تجرع»، بعد أن همست الجيم فأصبحت كافاً، ومثل «دهس» التي أصلها من «الدعْس» وهو شدة الوطء، ومثل «شحت» التي أصلها من «شحذ» إذ قلبت الذال ككل الذالات إلى دال، وأتى عليها عهد في لهجة الكلام كانت «شحد» ثم همست الدال فأصبحت «تاء».. والحديث موصول.
