الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

بيتنا الإماراتي في بكين

29 يونيو 2026 00:05 صباحًا | آخر تحديث: 29 يونيو 00:05 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
ليست المعارض الدولية للكتاب مجرد أسواق لآلاف العناوين، وليست أيضاً مناسبات بروتوكولية تتبادل فيها الدول عبارات الترحيب والصور التذكارية، فثمة لحظات نادرة تتحول فيها المشاركة إلى سؤال عن معنى أن تكون أمة حاضرة في العالم بذاكرتها ومخيلتها وطريقتها في فهم الإنسان وتثقيف المجتمع.
ومن هذا المنظور، يمكن النظر إلى مشاركة «البيت الإماراتي» ضيف شرف معرض بكين الدولي للكتاب، الذي اختتمت فعالياته مؤخراً، بوصفها حدثاً يتجاوز حدود التمثيل الثقافي ومحاولة للإجابة عن سؤال أكبر ألا وهو كيف استطاعت دولة الإمارات تقديم نفسها للعالم كنموذج إنساني وليست مجرد تجربة تنموية تستحق الإعجاب.
كان «البيت الإماراتي» في جوهره أقرب إلى استعارة رمزية لوطن هو مكان للاحتفاء بالذات وبالآخر، لذا فإن اختيار هذه التسمية كان موفقاً لأنها لم تقدم الإمارات كضيف جاء ليعرف بنفسه بل بوصفها مضيفاً يفتح أبوابه للآخرين، ويدعوهم للدخول إلى عالمه والإنصات إلى لغته وفهم الأسباب الجوهرية التي جعلته يصبح وطناً لكل من يسكنه.
إن القيمة الحقيقية لأي مشاركة ثقافية لا تقاس بحجم الجناح والفعاليات ولا حتى بكمية التغطيات الإعلامية وإنما بقدرتها على أن تترك أثراً في وعي من يمر بها.
ولعل الدرس الأهم هو أن الحضور الثقافي يتحقق عبر السماح للآخر بأن يرى نفسه فينا كما نرى أنفسنا فيه، وأن الإنسان مهما اختلفت لغاته وأوطانه يظل مركز كل مشروع حضاري جدير بالبقاء.
ويقتضي الإنصاف الاعتراف بأن أي مشاركة دولية مهما نجحت تظل بداية لمسار أطول، فالمعارض تنتهي والأجنحة تفكك والوفود تعود إلى بلدانها، لكن الأسئلة التي تبقى معلقة تنتظر الإجابة عن كم كتاب سيجد طريقه فعلاً إلى الترجمة؟ وكم فكرة ستتحول إلى مشروع مستدام؟
لقد كشفت تجربة «البيت الإماراتي» في بكين أن الدول لا تقاس فقط بما تبنيه وبمؤشراتها الاقتصادية، بل أيضاً بما تستطيع أن تمنحه للعالم من معنى، وأن الأمم التي تنجح في تحويل ثقافتها إلى لغة حوار، وقصصها المحلية إلى خبرات إنسانية مشتركة، هي الأمم التي تحضر في المناسبات الدولية بوصفها شريكة في صياغة الوعي الإنساني المعاصر.
وربما كان أجمل ما خرجنا به من هذه التجربة ليس الشعور بالرضا عن نجاح مشاركة استثنائية، بل الاقتناع بأن الثقافة في جوهرها ليست مناسبة للحضور والمشاركة بل مسؤولية تجاه صورة الوطن في عيون الآخرين، وتجاه حق العالم في أن يتعرف إلينا كما نحن.. شعب يؤمن بأن بناء الإنسان هو المشروع الوحيد الذي لا تنتهي جدواه.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة