في التاريخ، لا تسقط الإمبراطوريات دائماً عندما تُهزم في ساحات القتال. أحياناً يبدأ التراجع في اللحظة التي ترفع فيها راية النصر، ثم تكتشف أن النصر كان أقصر من أن يتحول إلى سلام، وأن القوة التي استطاعت كسر الجدار لم تمتلك دائماً الخريطة اللازمة لبناء المدينة خلفه.
فالقذائف تنهي معركة، لكنها لا تصنع مستقبلاً. والطائرات تستطيع أن تغير ميزان القوة في السماء، لكنها لا تستطيع وحدها أن تكتب نظاماً سياسياً على الأرض.
اليوم تبدو الولايات المتحدة في مواجهة إيران أمام هذا السؤال القديم بصيغة جديدة: ليست المشكلة في القدرة على توجيه الضربة، بل في القدرة على تحويل الضربة إلى نظام مستقر. ما يهم في النهاية ليس من انتصر في الجولة القتالية الأولى، بل ماذا اشترت واشنطن بهذا الانتصار، وأي مشروع سياسي تستطيع بناءه فوق الهدنة الهشة؟
ربما لهذا لم يكن السؤال الأمريكي الأهم بعد المواجهة مع إيران: من انتصر؟ بل السؤال الأكثر عمقاً: ماذا اشترت الولايات المتحدة بهذا الانتصار؟
فالشارع الأمريكي، وفق استطلاعات الرأي التي أعقبت المواجهة، لم ينظر إلى الحرب باعتبارها لحظة انتصار واضحة. نسبة محدودة فقط رأت أن الحرب كانت تستحق كلفتها، بينما عبّر قطاع واسع عن قلقه من أن الهدنة قد لا تكون دائمة، ومن أن الثمن العسكري والسياسي والاقتصادي قد لا يتناسب مع النتائج.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى: الولايات المتحدة تستطيع غالباً أن تربح الجولة العسكرية، لكنها تواجه السؤال الأصعب دائماً: كيف تحول القوة إلى نتيجة سياسية مستقرة؟ هذه ليست أزمة إيران وحدها، بل نمط أمريكي متكرر.
في فيتنام، امتلكت واشنطن تفوقاً عسكرياً هائلاً، لكنها خرجت من الحرب من دون تحقيق الهدف السياسي الذي دخلت من أجله. وفي العراق عام 2003، سقط النظام بسرعة مذهلة، لكن بناء نظام مستقر كان أصعب بكثير من إسقاط النظام نفسه. وفي أفغانستان، بعد عقدين من الوجود العسكري، عادت واشنطن إلى السطر الأول بتسليم كابول إلى طالبان! مع حصيلة من القتلى واستنزاف سياسي واقتصادي.
وفي المقابل، تقدم اليابان وألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية نموذجاً مختلفاً؛ لم يكن الانتصار العسكري هو النهاية، بل البداية لمشروع سياسي واقتصادي طويل المدى حَوّل الهزيمة إلى استقرار.
لهذا فإن قصة إيران اليوم ليست فقط قصة اتفاق، بل قصة مدرستين أمريكيتين في فهم القوة.
عندما وقّعت إدارة الرئيس باراك أوباما عام 2015 الاتفاق النووي المعروف باسم «خطة العمل الشاملة المشتركة»، لم يكن الاتفاق قائماً على الثقة بإيران، بل على فكرة أكثر براغماتية: إذا كان منع امتلاك إيران قدرة نووية عسكرية هو الهدف، فإن ذلك يحتاج إلى شبكة قيود ومراقبة دقيقة.
جاء الاتفاق في وثيقة ضخمة قاربت 160 صفحة، تضمنت تفاصيل تقنية وآليات تحقــق وملاحــق تنفيذية. ركز على خفض مستوى تخصيب اليورانيوم، تقليص المخزون النووي، مراقبة المنشآت، وإخضاع البرنامج النووي الإيراني لنظام تفتيش دولي. حتى منشأة فوردو، التي كانت رمزاً للقلق الغربي، أُعيد تعريف دورها ضمن الاتفاق كمركز بحثي وليس موقعاً للتخصيب.
قد يختلف السياسيون حول تقييم الاتفاق، لكن فكرته الأساسية كانت واضحة: التعامل مع خطر المستقبل قبل أن يتحول إلى أزمة.
أما إدارة الرئيس دونالد ترامب، فقد دخلت المشهد بمنطق مختلف. لم يكن التركيز الأساسي على بناء منظومة طويلة من القيود التقنية، بل على إنهاء التصعيد القائم والوصول إلى تفاهم سريع يعيد الهدوء، من دون اكتراث لواقع المنطقة، أو واقع إيران بعدها؟ هل أضعفت طهران أم قوّتها في المنطقة؟
فضلاً عن أن التفاهم جاء مختصراً في نحو 14 بنداً بصفحة ونصف، ركزت على وقف المواجهة، تهدئة التصعيد، وضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز.
وهنا لا تكمن القضية في عدد الصفحات أو البنود، فالاتفاق الأقصر ليس بالضرورة أضعف، والوثيقة الأطول ليست بالضرورة أنجح. القضية في السؤال الذي يحاول كل منهما الإجابة عنه. اتفاق أوباما كان يسأل: كيف نمنع الخطر القادم؟ أما تفاهم ترامب فكان يسأل: كيف نوقف الأزمة الحالية؟
الأول نظر إلى المستقبل، والثاني حاول السيطرة على الحاضر. لكن التاريخ يعلمنا أن السيطرة على الحاضر لا تكفي دائماً لصناعة المستقبل.
فالولايات المتحدة لم تفشل تاريخياً لأنها لم تمتلك القوة، بل لأنها واجهت صعوبة في تحويل القوة إلى نظام. الحرب قد تجبر الخصم على الجلوس إلى الطاولة، لكنها لا تضمن أن الاتفاق الذي يُكتب فوقها سيصمد بعد رحيل الجنود.
ولهذا فإن الاختبار الحقيقي لأي استراتيجية أمريكية ليس عدد الضربات التي تنفذها، بل عدد الأزمات التي تمنع ولادتها.
فالقوى العظمى لا تُقاس فقط بقدرتها على الانتصار في الحرب، بل بقدرتها على جعل الحرب الأخيرة فعلاً هي الأخيرة. لأن التاريخ لا يحتفظ طويلاً بمن انتصر في المعركة الأولى، بل بمن امتلك الحكمة ليكتب الفصل الأخير.
