الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

كراهية الأجانب في جنوب إفريقيا

28 يونيو 2026 00:05 صباحًا | آخر تحديث: 28 يونيو 00:05 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
على الرغم من أن الهجرة إلى جنوب إفريقيا ليست ظاهرة جديدة، ولا طارئة على تاريخها الاقتصادي والاجتماعي، فإن موجات التوتر المتكررة ضد المهاجرين تكشف أن المسألة لم تعُد تُقرأ من زاوية ضبط الحدود أو تنظيم الإقامة فقط. فحين تتحول الهجرة إلى ملف يثير هذا القدر من الانقسام، لا يكون السؤال متعلقاً بعدد المهاجرين وحده، بل بما يكشفه حضورهم من ضغوط أوسع داخل المجتمع والدولة، معاً. هل المشكلة في المهاجرين فعلاً؟ أم في أن ملف الهجرة أصبح نقطة تتجمع عندها مخاوف البطالة، وتراجع الخدمات، واتساع الاقتصاد غير الرسمي، وضعف الثقة بقدرة السياسات العامة على امتصاص الأزمات؟
تبدو خصوصية جنوب إفريقيا في أنها تمثل، منذ عقود، إحدى الوجهات الاقتصادية الأهم في القارة. فثقلها الصناعي والمالي، واتساع سوق العمل فيها مقارنة بدول الجوار، جعلا منها مقصداً لمهاجرين من زيمبابوي، وموزمبيق، ومالاوي، ونيجيريا، ودول إفريقية أخرى. ومع ذلك، فإن الأرقام تطرح مفارقة لافتة، إذ تشير البيانات إلى وجود أكثر من ثلاثة ملايين مهاجر في البلاد، بما يعادل نحو 5.1% من السكان، وهي نسبة لا تبدو استثنائية، إذا قورنت بحجم التوتر السياسي والاجتماعي المحيط بالملف. فلماذا يبدو أثر المهاجر في الخطاب العام أكبر من حجمه الديموغرافي الفعلي؟ ولماذا يتحول وجوده، في لحظات الاحتقان، إلى تفسير شبه جاهز لمشكلات تتجاوز قدرته على صناعتها، أو حلها؟
ربما تكمن الإجابة في أن الهجرة، حين تدخل مجتمعاً مأزوماً اقتصادياً، لا تُقرأ عبر الأرقام وحدها، بل عبر الخوف/القلق الاجتماعي. ففي الربع الأول من عام 2026، بلغ معدل البطالة الرسمي في جنوب إفريقيا 32.7%، بينما وصلت البطالة بين الفئة العمرية 15 إلى 24 عاماً إلى 60.9%، وبلغت 40.6% بين من تتراوح أعمارهم بين 25 و34 عاماً. هذه الأرقام لا تعني غياب فرص العمل فقط، بل تعني أيضاً تآكل الإحساس بالمستقبل لدى شرائح واسعة من الشباب.
وفي هذا السياق، تفيد مقاربة «الحرمان النسبي» في فهم جانب من الظاهرة. فالغضب الاجتماعي لا ينتج دائماً عن الفقر وحده، بل من شعور الإنسان بأن ما يحصل عليه لا يتناسب مع ما يراه حقاً له، أو مع ما يحصل عليه الآخرون. وعندما تكون الموارد محدودة، والخدمات بطيئة، والفرص نادرة، يصبح من السهل أن يتقدم سؤال: من الأحق؟ المواطن أم المهاجر؟ لكن هذا السؤال، على الرغم من حضوره الشعبي، قد يكون مضللاً إذا بقي أسير المفاضلة بين فئتين متضررتين. فالأزمة الأعمق لا تكمن في سؤال من يستحق أكثر، بل في: لماذا أصبحت الموارد محدودة إلى الحد الذي يجعل هذا السؤال قابلاً للانفجار اجتماعياً؟
أما الإشكالية الثانية فتتمثل في «أمننة الهجرة»، أي انتقال الملف من كونه قضية إدارية وتنموية إلى قضية تُقرأ أساساً من زاوية التهديد. ولا يعني ذلك التقليل من أهمية تنظيم الهجرة غير النظامية، أو إنكار حق الدولة في ضبط حدودها وسوق العمل فيها. لكن الخطر يبدأ عندما يختلط التنظيم المشروع للهجرة بخطاب عام يجعل من المهاجر مصدراً تلقائياً للجريمة، والفوضى، والضغط على الموارد. فهل يمكن إدارة الهجرة من دون تحويلها إلى سبب جامع لكل إخفاق؟ وهل يمكن حماية حق الدولة في التنظيم من دون أن يُترك المجال لجماعات أهلية، أو أصوات شعبوية تتعامل مع الملف بوصفه تفويضاً اجتماعياً للإقصاء؟
وتزداد حساسية هذه المعادلة مع تصاعد تحركات مناهضة للمهاجرين، بعضها اتخذ شكل احتجاجات أو دعوات إلى مغادرة الأجانب، وفق مهل غير رسمية. مثل هذه التحركات لا يمكن التعامل معها بوصفها ممثلة للمجتمع كله، لكنها في الوقت نفسه لا يمكن تجاهل دلالتها. فهي تشير إلى أن ملف الهجرة لم يعد محصوراً في المؤسسات، بل أصبح قابلاً لأن يُدار في الشارع، عبر الخوف والضغط والتعبئة. وهنا تحديداً تظهر أهمية الفصل بين معالجة الهجرة كملف قانوني وسيادي، وبين السماح بتحولها إلى مساحة لعدالة أهلية غير منضبطة.
وفي المحصلة، لا تكشف كراهية الأجانب في جنوب إفريقيا عن أزمة مهاجرين فقط، ولا عن مجتمع يريد تحميل الآخر ما لا يحتمل، بل عن مأزق أوسع في إدارة التوتر بين الحاجة إلى تنظيم الهجرة، والحاجة إلى حماية التماسك الاجتماعي. فالخطر لا يكمن في وجود المهاجر بحد ذاته، بل في أن يصبح ملف الهجرة وعاء تُسكب فيه مخاوف البطالة، وغضب الخدمات، وقلق الهوية، وتراجع الثقة بالمؤسسات.
لذلك، فإن المعالجة الأكثر استدامة لا تبدأ من الأمن وحده، ولا من الخطاب الإنساني وحده، بل من مقاربة توازن بين القانون والتنمية، تلك المقاربة التي يمكن أن تتضمن: تنظيماً واضحاً للهجرة، وحماية للمقيمين، وتحسيناً للخدمات، وتوسيع للفرص، وضبطاً للخطاب العام. وهنا، لا يكون السؤال الأهم: من يتحمل اللوم؟ بل كيف يمكن منع أزمة معيشية مركّبة من التحول إلى عداء اجتماعي يضعف الدولة، ويربك المجتمع، ويدفع المهاجرين إلى موقع هشاشة مضاعفة؟
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة