الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

«لبنان أولاً»..

30 يونيو 2026 00:25 صباحًا | آخر تحديث: 30 يونيو 00:25 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
على مر العقود الماضية، تنوعت ولاءات اللبنانيين بين محاور داخلية وخارجية، وبين انتماءات سياسية وطائفية ومذهبية، حتى باتت الدولة نفسها في المرتبة الثانية بالنسبة لكثيرين. ومن هنا، يبرز مفهوم «لبنان أولاً» باعتباره أكثر من مجرد شعار، بل رؤية تقوم على أن تكون مصلحة الوطن والمواطن أولاً فوق أي اعتبار آخر أو مصلحة دولة أو محور آخر.
يعني «لبنان أولاً» أن تكون الأولوية لإنقاذ البلد على جميع الصعُد، اقتصادياً ومؤسساتياً واستعادة ثقة المواطن والمستثمر على حد سواء، بدلاً من تحويل البلاد إلى ساحة بريد لتصفية الحسابات بين الدول، والدخول في صراعات لا تجلب سوى الويلات للبنانيين، ولا تخدم مستقبلهم ومستقبل أبنائهم. فالدول لا تنهض سوى بالاستقرار والعدالة وسيادة القانون والإدارة الحكيمة التي تأخذ القرارات لمصلحة المواطن والوطن أولاً قبل أي اعتبارات أخرى.
يمتلك لبنان مقومات استثنائية تؤهله للعودة إلى موقعه الطبيعي إقليمياً ودولياً، فهو يملك رأس مال بشرياً متميزاً عالمياً ومحلياً، وانتشاراً واسعاً لجاليات تحقق النجاحات في أماكن انتشارها، وقطاعاً خاصاً أثبت مراراً قدرته على مواجهة التحديات والتكيف معها، إضافة إلى موقع جغرافي مميز جعله جسراً بين الشرق والغرب، لكن هذه المزايا والمؤهلات تحتاج إلى دولة قوية وقادرة ومؤسسات فاعلة تستثمرها وتحوّلها إلى فرص للنمو والتطور.
ووضع «لبنان أولاً» يعني أيضاً إعادة الاعتبار لفكرة الدولة الجامعة، بحيث يشعر كل مواطن بأن حقوقه وواجباته لا تحددها الطائفة أو الانتماء السياسي بل المواطنة. كما يعني وضع سياسة خارجية متوازنة تحفظ مصالح لبنان وعلاقاته مع دول العالم وتجنبه أن يكون ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية.
و«لبنان أولاً» تعني جيشاً واحداً وسلاحاً شرعياً واحداً بيد الدولة وأجهزتها فقط، جيشاً قادراً على حماية اللبنانيين دونما تمييز، وعلى بسط سلطته على كامل التراب اللبناني من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، وامتلاك قرار السلم والحرب من دون أي طرف آخر.
يبقى شعار «لبنان أولاً» مشروعاً وطنياً يحتاج إلى إرادة سياسية وتوافق مجتمعي وإيمان اللبنانيين جميعاً بأن مستقبل وطنهم يصنع من الداخل لا من صراعات الآخرين وحروبهم العبثية. وعندما تتحول هذه الفكرة إلى ممارسة يومية في الحكم والإدارة والاقتصاد، حينها يمكن للبنان أن يستعيد دوره وموقعه على الخريطة ساحة وصل للشرق والغرب لا ساحة صراعات وتصفية حسابات وصندوق بريد بين المحاور الخارجية.
في النهاية، لا يكفي أن يرفع هذا الشعار في الطرقات وعلى المنابر، بل يجب أن يترجم إلى خطة عمل واضحة تبدأ بتطبيق اتفاق الطائف بكامل مندرجاته وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها وحصر السلاح بيدها فقط، وإقرار إصلاحات إدارية تضع الكفاءة فوق «المحاصصة» السياسية والطائفية، وتعزز استقلالية القضاء وتضمن الشفافية والمساءلة في التعيينات والقرارات العامة. كما ينبغي إطلاق خطة إنقاذ مالية واقتصادية محددة المهل تشمل إعادة هيكلة القطاع المصرفي وضبط الإنفاق العام وحماية أموال المودعين وردها ضمن إطار شفاف وعادل.
كما يجب تسهيل بيئة الأعمال وتشجيع الاستثمارات ومحاربة الفساد والزبائنية وتبسيط الإجراءات للمستثمرين العرب والأجانب واللبنانيين في بلاد الاغتراب. وعندما تصبح هذه الخطوات جزءاً من العمل اليومي، لا مجرد وعود فقط، يمكن حينها تطبيق مشروع «لبنان أولاً» على أرض الواقع.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة