الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

صناعة السلام

29 يونيو 2026 00:29 صباحًا | آخر تحديث: 29 يونيو 00:30 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
يستطيع الإنسان إشعال الحرب خلال لحظة، لكنه يحتاج إلى سنوات لبناء السلام، ما يدل على أن بناء السلام عملية شاقة تتطلب نوايا وإرادات وعزائم وخططاً وحرّاساً. والدليل أيضاً، أن الإنسان لا يزال، منذ آلاف السنين، يسعى إلى إصلاح ما أفسدته الحروب في النفوس، والأمر المؤسف أنه في هذا السعي يخوض حروباً أخرى من أجل السلام، والبعض يقول بأن الإنسان يخوض حروباً من أجل العدالة، وكل المساعي للتغلب على تبعات الحروب لم تحقق العدالة.
يُقال إن من اشعل الحروب هم أناس يعانون من نقص في مساحات السلام في نفوسهم، وتقول الناشطة من أجل السلام الأمريكية ميلدريد ليسيت نورمان، إن السلام يبدأ من داخل الإنسان، وإنه لا يمكن تحقيق السلام العالمي إلا إذا عاش الأفراد في سلام داخلي. وهذه السيّدة نذرت نفسها للسلام، وقررت السير عبر الولايات المتحدة مشياً على الأقدام، وبدأت مسيرتها في عام 1953 وقطعت 40 ألف كيلومتر خلال 28 عاماً، لكن خاتمتها كانت غريبة، إذ ماتت بحادث سير، وكأن هنالك من يقول لها: المسافات التي تقطعينها لن توقف الحروب ولن تحقق السلام.
ويؤكد المهاتما غاندي هذا التوجّه حين كان يرى أن السلام لا يولد في المؤتمرات الدولية بل من قلوب الناس وأفكارهم. فهل يعني كل ما سبق أن من أشعلوا الحروب ليسوا أسوياء نفسياً، وتنقصهم مساحات شاسعة من السلام والطمأنينة؟ هل القيادات التي تذرّعت بنقاء النوع وتفوقه، واختلاف لون دمائها، كانت تخبئ أمراضاً نفسية في شخصياتها؟ هل كان يجب أن تودع في مصحات نفسية؟
القيادات التي تذرّعت بأسباب واهية وخاضت حروباً روّجت لها أنها من أجل رفعة الشعب والدين والكرامة، ولم يعتد عليها أحد، ولم يهددها أحد، تلك القيادات كثيرة في التاريخ، فهل وقعت البشرية ضحية لجنون عظمة هؤلاء، الذين تصفهم الدكتورة نوال السعداوي بالمجرمين حين تصف الحرب بأنها أكبر الجرائم التي تُغطّى بشعارات دينية وأخلاقية بينما حقيقتها اقتصادية.
وهكذا تفتح الدكتورة نوال الباب لنتحدث عن دوافع الحروب، فهي تنشب لأسباب دينية، كما كان يحدث سابقاً، والبعض يراها سياسية مغلفة بالمبادئ الدينية والمذهبية، والبعض يرى أن الحروب التي تخوضها إسرائيل لها طابع ديني، ولهذا سنّوا قانون الهوية اليهودية، بينما الأهداف العميقة تتعلق بتحالفات استعمارية وخلخلة الجغرافيا، وربما أيضاً هناك أسباب توسعية بهدف الحصول على الماء.
ويمكننا التوسّع قليلاً ونتساءل عن أهداف الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى. هل حقاً كانت من أجل تغيير النظام الديني، أم القضاء على القدرات النووية الإيرانية أم التحكّم بمضيق هرمز؟ في الواقع نتيجة الحرب كانت أبعد من كل ذلك، كانت صفقات ضخمة لشراء الأسلحة.
لم يبحث أحد في خسارات الناس البسطاء، لم تتحدث إيران عن دمار البيوت، وفي المقابل لم يناقش الوفد اللبناني تدمير أكثر من ثلاثين قرية في الجنوب اللبناني بالكامل، إضافة إلى تدمير أكثر من 180 ألف وحدة سكنية، فهل هم وقود الحرب كما كانوا في السابق؟ سؤال محيّر حقاً..
وهكذا، فإننا لا نستطيع الحديث عن الحرب إلا ونتطرق للسلام، والعكس صحيح، لكن كما قلنا في البداية، من السهل إشعال الحروب لكن من الصعب إطفاؤها أو تحقيق السلام. وهذا الأخير لا يعني وقف إطلاق النار بين طرفين، فالحرب الإسرائيلية العربية في فلسطين في عام 1948 خلّفت وراءها حتى اليوم ملايين النازحين، وكذلك الأمر في لبنان، وربما في إيران التي لم تتحدث حتى الآن عن النزوح الداخلي.
والخسائر لا تقتصر على ما نرى، إن غير المرئي أشد وأقسى، ومنه الخوف الذي يرافق الأطفال لسنوات طويلة، والنوبات العصبية التي يتعرض لها الآخرون، إنه تعطيل المدارس لشهور عديدة، إنه الفقد واليتم والترمّل في طرفي النزاع، إنه زعزعة القيم في المجتمع الواحد، وزيادة رقعة الفقر والجريمة والأعمال المخلّة بالأخلاق. وهناك نتائج لا نراها إلا بعد وقت من انتهاء الحرب، لهذا، قال مارتن لوثر كينغ، إن السلام الحقيقي ليس مجرد غياب التوتّر، بل هو وجود العدالة.
أن تصنع السلام، هو أن تتخلّص مادياً ومعنوياً من كل ما ورد من صفات القبح والخراب التي تتركها الحروب، وأن تشيع مبدأ التسامح وتعزيز النوايا الحسنة، وتنشر مبدأ احترام سيادة الآخرين النفسية والمادية والعاطفية. وأن تغذي المناهج بمبادئ التعايش السلمي مع الشعوب، عن طريق ترسيخ احترام ثقافتها ومعتقداتها ومذاهبها وخياراتها وأرضها وتاريخها وجغرافيتها.
وهناك مسألة لا توليها الاتفاقيات أهمية مثل محاربة الفقر في الدول المتحاربة، وتحقيق العدالة بين الناس، ومواجهة التطرّف، وهذه الأخيرة سبب رئيسي لاندلاع الحروب.
صناعة السلام ليست قراراً سياسياً فحسب، إنما عملية تربوية ونفسية وأخلاقية، وتربية أجيال تؤمن بالسلام والمحبة والتعاون، وتنشر ثقافة احتواء الآخر واحترام الاختلاف.
قد يرى البعض مثالية في الطرح، ونحن نرى جريمة في استمرار الحروب.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة