هل لديك ما تقوله للجامعة العربية، قبل أن تطأ قدم الأمين العام الجديد عتبتها؟ أنت تعلم أنه إذا مرّ شهر على المسؤول العربي في منصب، بلغ الفطام عن حليب السباع، «فلا يُكلّم إلّا حين يبتسمُ». حُسن الطالع يبعث على التفاؤل، فالمنظمة أحوج ما تكون إلى النُّبل والفهم.
شرح المطلوب حاضراً ومستقبلاً، غير ممكن من دون تشريح الماضي. ما حَرَمَ الأمانات العامّة السابقة، من حمل الأمانات بنجاح وفلاح، هو تصوّر أن الأمين العام موظف لدى الدول العربية. ويترتب على هذا أمر بالغ الخطورة، فيه مجانبة معجمية فكرية وسياسية ودستورية، لمعنى الدولة. الأدهى، هو أن حصر مفهوم الدولة في الأنظمة، له أسوأ الانعكاس على الجامعة، وقد رأينا كيف أنها كانت تتحول إلى بطة مشلولة مغلولة، عندما تحتدم المفارقات بين البلاد العربية. المفارقة، لا بمعنى «بارادوكس»، بل اشتقاقاً من الفراق والفُرقة.
جامعة الدول العربية مستقبلاً، لا ينبغي لها أن تتخيّل وجودها ودورها وأمانتها ومسؤوليتها، من دون وزن الأمّة وثقل الشعوب العربية. الرجوع إلى معنى الدولة، يجعل المنظمة تدرك أنها تحمل أمانة كل تراب سيادي. وجميل بها ولها أن يكون شعارها «بلاد العُرْب أوطاني»، وإلّا صار معدن كل التراب السيادي، أتربةً تذروها عواصف المشاريع التفتيتية الابتلاعية.
أمام الأمين العام الجديد، خمس سنوات، إذا ظل على الدبلوماسية التقليدية: إني وجدت الأمناء السابقين في سبات، وإني على نهجهم نائم، فقد يصحو بعد ثمانمئة وألف يوم، على خريطة طار نصفها أو أكثر. من أهمّ السبل إلى تغيير مجرى النهر الوجودي العربي، إبداع شفافية لم تعرفها الجامعة منذ تأسيسها: المصارحة والشفافية عبر وسائط إعلام للمنظمة. فضائية مثلاً. سيدرك الأمين أنه يحمل راية جامعة لها رسالة، كما لم يحدث من قبل. قبل نهاية العام الأوّل، نأمل أن تكون المنظمة قد أعدّت مشروعاً إنقاذيّاً: العمل العربي المشترك. كل المنظمات المتفرعة يعاد النظر فيها جذرياً. خصوصاً تلك التي تحمل شعار الثقافة والتربية والعلوم. ما لا يملّ القلم تكراره، نصيحة مهاتير محمد لدول العالم الإسلامي: «الرياضيات، الفيزياء وصناعة سلاحها بنفسها».
لزوم ما يلزم: النتيجة النهائية: لا وجود لغاية يحققها ترك العمل العربي المشترك، غير الضياع. ويل للفرائس المنفردة.
