العدل قيمة كبرى، وهو ميزان الحياة، وأساس قيام الأمم ونهضتها، فهو الذي يكفل لكل فرد ولكل جماعة قاعدة ثابتة للتعامل لا تميل مع الهوى ولا تتبدل للقوة والضعف، إنما تمضي في طريقها تكيل بمكيال واحد للجميع.
إن الفطرة البشرية تنتفض ضد العوامل الهدامة للعدل من أجل نظام المجتمع، وفق المبادئ التي تكفل الحقوق ومنع زعزعة قوائم الحياة، بعدما قدمت الحضارة الإنسانية للمجتمع البشري مجموعة من القيم العظيمة، قيمة العدل، على مدار تاريخها، ومنها معاقبة المجرمين وأصحاب آلات القتل والدمار، حيث يتبين مع الوقت أن العدالة الدولية لم تكن إلا كذبة زائفة، لأنها تمثل المنتصر وليس الشعوب والأمم المغلوبة، ورغم كل الاتفاقيات والمعاهدات والعهود الدولية التي تنص على احترام استقلال الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، لكن ذلك يبقى حبراً على ورق، فالمنتصر يفعل ما يشاء في العالم، فيخرق القوانين ويبدد الاتفاقيات.
بريطانيا كانت أول من أسس لتلك العقلية النفعية في العلاقات الدولية، والتي نجحت أيما نجاح في استغلال انتصاراتها لإظهار وجه حسن يخالف حقائق الواقع، فمثلاً عندما نجحت في القضاء على السلطنة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، وقصّت جوانحها، وجرّدتها من الكثير من البلاد التي كانت تحكمها، فقد عمدت إلى التآمر على الدول العربية وتقسيمها من خلال اتفاقية سايكس -بيكو.
وعندما اضطرت بريطانيا إلى إعطاء الهند استقلالها عام 1947، فقد ساءها أن تصبح تلك البلاد دولة واحدة، فعمدت إلى تقسيمها إلى دولتين وشعبين مختلفين من أجل حرمان الشعب الهندي الواحد من بناء دولة واحدة، ولكي يبقى ذلك الشعب مشغولاً بالصراع مع بعضه البعض.
ثم ورثت الولايات المتحدة تلك العقلية النفعية في الاستراتيجية الدولية، وأصبحت زعيمة العالم، وصارت تشتري ولاءات الدول، أما الدول التي كانت تريد الاستقلال بنفسها فقد اتجهت إلى حصارها وفرض عقوبات دولية عليها مثل كوبا التي حاصرتها منذ عام 1959 إلى هذا اليوم.
كما قامت بشن حروب على دول أخرى مثل العراق الذي كانت الحرب عليه خرقاً للقوانين الدولية، وقد سببت تلك الحرب صداعاً كبيراً للولايات المتحدة بسبب النقد الذي تعرضت له من جراء تدمير الدولة العراقية وقتل عشرات الآلاف، بل ربما مئات الآلاف من الشعب العراقي، وأيضاً بسبب الخسائر الكبيرة التي تكبدها الجيش الأمريكي والاقتصاد الأمريكي.
وقد كانت العدالة الدولية فكرة قائمة لدى الدول المنتصرة في الحربين العالميتين الأولى والثانية، حيث تم إقامة محاكم جنائية لمحاكمة من تم تسميتهم ب«مجرمي حرب» في ألمانيا واليابان، وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي خرجت فكرة المحكمة الجنائية من مخبأها، وتم صياغة قانون جديد لإنشاء محكمة دائمة.
وفي 17 يوليو(تموز) 1998، تم اعتماد نظام روما للمحكمة الجنائية الدولية، وبعد مصادقة ستين دولة، دخل نظام روما حيز التنفيذ، وتأسست المحكمة الجنائية رسمياً. وانتخبت جمعية الأطراف أول هيئة من ثمانية عشر قاضياً وأقسموا اليمين في الجلسة الافتتاحية للمحكمة في شهر مارس (آذار) 2003، وأصدرت المحكمة مذكرة اعتقال بحق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عام 2023، بشأن مزاعم جرائم حرب متعلقة بترحيل أطفال و«نقلهم بصورة غير قانونية» من أوكرانيا، وقد لقيت تلك المذكرة استحساناً لدى العديد من دول الغرب، مع أن الرئيس فلاديمير بوتين هو رئيس دولة عظمى وهي دولة عضو في مجلس الأمن الدولي، ومن ثم أصدر كريم خان عام 2024، مذكرة اعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع الإسرائيلي السابق يوآف غالانت، لارتكابهما جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بحق الفلسطينيين في قطاع غزة. وفجأة بدأ المكتب التنفيذي لجمعية الأطراف في المحكمة الجنائية بالتحقيق، مع كريم خان، منذ مطلع العام الماضي، بخصوص اتهامات ب«سوء السلوك الجنسي» في إطار محاولة لعزله رداً على القرار الذي طاول نتنياهو وغالانت.
وكانت وزارة الخزانة الأمريكية قد فرضت عقوبات على كريم خان بعد أيام من توقيع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمراً تنفيذياً يقضي بمعاقبة الجنائية الدولية لإصدارها مذكرة اعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي ووزير حربه بتهمة ارتكاب جرائم حرب في قطاع غزة.
إن العدل سيبقى القيمة الكبرى، إلى جانب الحرية، في ازدهار الأمم ونهضتها، ولن تقوم أي نهضة من دونه، ومن يستقرئ التاريخ يستنتج أن غياب العدل كان العامل الأكبر في انهيار الإمبراطوريات الكبرى، وفي المقابل كان العدل العامل الأكبر في استنهاض الأمم ورقيها واستمرارها.
