كيف تحوّل المهاجر، خلال سنوات قليلة، من رمز للإنسانية إلى موضوع للشك في والخوف؟
يعود هذا السؤال هذه الأيام بقوة بعد أن أسهم إيلون ماسك في توسيع انتشار فيلم Citizen Vigilante عبر منصة X، ليتحول فيلم مُنع في ألمانيا إلى محور نقاش واسع في الغرب على منصات التواصل الاجتماعي حول الهجرة، وحرية التعبير، وحدود التسامح.
لسنوات طويلة كانت أوروبا تقدم نفسها باعتبارها الحارس الأول لحقوق الإنسان، وفتحت أبوابها أمام موجات متتالية من المهاجرين واللاجئين، حتى تجاوز عدد طلبات اللجوء المقدمة في الاتحاد الأوروبي وحده 990 ألف طلب خلال عام 2024، بينما حصل أكثر من 437 ألف شخص على الحماية الدولية.
الحقيقة أن المجتمعات لا تدار بالشعارات وحدها، فكل سياسة عامة تحتاج إلى توازن بين الواجب الإنساني والقدرة الواقعية على الاستيعاب والاندماج، وعندما يختل هذا التوازن، يبدأ المجتمع في إنتاج ردود فعل معاكسة، بعضها سياسي، وبعضها ثقافي، وبعضها أكثر قسوة. من هنا يمكن فهم الضجة التي أثارها فيلم Citizen Vigilante، فهو يقدم بطلاً يرى أن مؤسسات الدولة فشلت في حماية المجتمع، فيقرر تنفيذ العدالة بنفسه، بينما يظهر عدد من الجناة من خلفيات شرق أوسطية، ولهذا اعتبره كثير من النقاد الأوروبيين عملاً يغذي الخوف من المهاجرين، وربما يكرس صوراً نمطية عن المسلمين، في حين دافع عنه آخرون باعتباره يعكس مخاوف موجودة بالفعل داخل الشارع الأوروبي.
القضية إذاً ليست في السينما، بل في السياسة، فحين يغيب النقاش المتوازن سنوات طويلة، لا يختفي السؤال، بل يعود أكثر حدة، وحين يُمنع المجتمع من مناقشة آثار الهجرة بموضوعية، قد يجد نفسه لاحقاً أمام موجة من الغضب يصعب احتواؤها.
الإنسانية لا تعني فتح الحدود بلا ضوابط، كما أن الأمن لا يبرر شيطنة البشر بسبب أصولهم أو دياناتهم، وبين هذين النقيضين يبدو أن أوروبا ما زالت تبحث عن معادلة لم تجدها بعد، فالأزمات لا تخلق التحولات، بل تكشف هشاشة الأفكار التي بدت مستقرة لسنوات طويلة. وهذا ما يبدو أن أوروبا تعيشه اليوم.
ربما لهذا لم يصبح «المواطن المنتقم» مجرد فيلم، بل مرآة تعكس أزمة ثقة يعيشها الغرب مع نفسه قبل أن يعيشها مع المهاجرين، وربما كان أصعب ما تواجهه أوروبا اليوم ليس المهاجرين، بل مراجعة قناعاتها القديمة حول الهجرة وحدودها.
@MEalhammadi
