ليست مأساة السودان في طول الحرب، بل في تأخر الدولة عن أداء واجبها الأول: حماية الناس، فكلما امتد القتال تراجعت المؤسسات، وضعف حضور القانون، واتسعت المسافة بين المواطن السوداني وحقه في الأمن والكرامة والعيش داخل وطن لا تحكمه البنادق، وحين تتأخر الدولة، لا يبقى الفراغ فراغاً، بل يملؤه الخراب، وتتحول المدن إلى خرائط مفتوحة للنزوح والجوع والخوف.
السودان اليوم لا يعيش أزمة عسكرية عابرة، بل يواجه امتحاناً وجودياً لفكرة الدولة، فالدولة لا تُقاس بعدد الوزارات، بل بقدرتها على حماية المدنيين، وضمان وصول الغذاء والدواء، ومنع تحوّل المدن إلى ساحات مفتوحة للصراع، وإذا كانت الانتهاكات مدانة ومرفوضة من أي طرف صدرت، فإن حكومة الخرطوم غير المستقلة عن الجماعات المتطرفة تتحمل المسؤولية الأثقل سياسياً وأخلاقياً، لأنها الجهة التي تتحدث باسم الدولة، وعليها أن تثبت أن الدولة ليست مجرد عنوان، بل التزام يومي تجاه الناس.
كان أخطر ما كشفته الحرب السودانية أن السلطة حين تنشغل بالصراع أكثر من انشغالها بحماية المجتمع، فإنها تترك المواطنين وحدهم أمام المجهول، فالمدن التي تُحاصر، والقرى التي تُنهب، والأسر التي تُجبر على النزوح، ليست تفاصيل هامشية في مشهد عسكري، بل علامات على فشل الدولة في مهمتها الأساسية، ولا يمكن لأي حكومة أن تطلب الشرعية من شعبها، بينما يعجز هذا الشعب عن الوصول إلى الماء والغذاء والمأوى والرعاية الطبية.
مدينة الأبيض وما حولها ليست نقطة جديدة في خريطة الحرب، بل مؤشر سياسي شديد الخطورة، فحين تصبح المدن مهددة بالحصار أو القصف، فهذا يعني أن الأزمة لم تعد تدور على أطراف الدولة، بل أصبحت تضرب قلبها الاجتماعي، والأبيّض، بما تمثله من موقع وسكان ودور رابط بين أقاليم السودان، تكشف أن استمرار القتال قد يحوّل الجغرافيا السودانية إلى مناطق منفصلة لا يجمعها مركز ولا يحميها قانون، وأن التصعيد فيها يبرهن على أنه لا يوجد حل عسكري لهذا النزاع.
من هنا تبرز أهمية الموقف الإماراتي في بيان الدولة أمام الجلسة العاجلة لمجلس حقوق الإنسان بشأن الأوضاع في الأبيض، والذي جدد الدعوة إلى وقف فوري وغير مشروط لإطلاق النار، وهدنة إنسانية عاجلة، وحماية المدنيين، وإيصال المساعدات من دون عوائق، وتوسيع حظر الأسلحة، مع إدانة صريحة لجميع انتهاكات القانون الدولي التي يرتكبها طرفا النزاع، إنها رؤية متسقة مع النهج الإماراتي الثابت في السياسة الخارجية الإماراتية: الانحياز للإنسان أولاً، وتقديم صوت العقل على حسابات القوة، ودعم مسار سياسي مدني شامل بخريطة طريق واضحة وإطار زمني محدد، يعيد الاعتبار للدولة ومؤسساتها.
والحكومة في الخرطوم مطالبة بأن تدرك أن إدارة الحرب لا يمكن أن تكون بديلاً عن إدارة الدولة، فالدولة التي تبرر استمرار القتال باسم الشرعية، ثم تعجز عن حماية المدنيين، إنما تضعف معنى الشرعية ذاتها. ومن ثم، فإن الاستجابة للدعوات الدولية المتكررة بتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية، والعمل على وقف إطلاق النار، ودعم عملية انتقالية تفضي إلى حكومة مدنية مستقلة عن أطراف النزاع والجماعات المتطرفة، هي مسؤولية وطنية قصوى، فإثبات المسؤولية لا يكون بإطالة أمد الحرب، بل بفتح الطريق أمام كل جهد يوقف نزيف الدم، ويمنح الأولوية لبقاء السودان موحداً.
فالسودان جزء من الأمن العربي والإفريقي، وموقعه على البحر الأحمر، وامتداده السكاني، وصلاته بالمنطقة، تجعل انهياره خطراً يتجاوز حدوده، وكل فراغ داخل السودان يمكن أن يتحول إلى ممر للتهريب، أو مساحة للجماعات المسلحة، أو نقطة اضطراب في منطقة حساسة للعالم العربي.
لذلك لم يعد السؤال: من ينتصر في السودان؟ بل: هل يبقى السودان دولة قابلة للحياة؟ فالانتصار فوق المدن المنهكة لا يصنع وطناً، والسيطرة على الأرض لا تعني شيئاً إذا كان أهلها قد غادروها خوفاً أو جوعاً، والدولة لا تنتصر حين تضعف حياة الناس، بل حين تحميهم وتعيد إليهم الثقة في القانون والمؤسسات.
إنقاذ السودان يبدأ من اعتراف حكومة الخرطوم غير المستقلة عن الجماعات المتطرفة بأن مسؤوليتها لا تقف عند حدود الخطاب السياسي، بل تمتد إلى حماية كل مدني، وفتح كل طريق للمساعدات، ومنع كل ممارسة تزيد من تفكك المجتمع، فالسودان لا يحتاج إلى غالب ومغلوب، بل إلى دولة لا تُدار بالخوف، ولا تُرسم ملامحها بالرصاص، ولا تترك شعبها يدفع ثمن الحسابات الضيقة.
وحين تتأخر الدولة يتقدم الخراب، لكن حين تتقدم الحكمة يمكن للخراب أن يتراجع، السودان ما زال يملك فرصة، لكنها تضيق كل يوم، والواجب اليوم أن تلتقط حكومة الخرطوم غير المستقلة عن الجماعات المتطرفة هذه الفرصة، لا أن تضيعها في لغة الحرب، فبقاء السودان دولة موحدة ومستقرة ليس مصلحة سودانية، بل مصلحة عربية وإنسانية وسياسية لا تحتمل التأجيل.
