وُقّع في العاصمة الأمريكية واشنطن «اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل» برعاية أمريكية مباشرة في 26 حزيران/ يونيو2026، ، بعد خمس جولات من المفاوضات المباشرة. ولا يُعد «اتفاق الإطار» هذا، معاهدة سلام بالمعنى التقليدي، إنما يعتبر وثيقة تأسيسية لمسار سياسي وأمني متدرج، يهدف إلى إنهاء حالة الحرب القائمة منذ عام 1948، وفتح الباب أمام ترتيبات سيادية وأمنية جديدة على جانبي الحدود.
إن اختيار صيغة «الإطار» بدلاً من «المعاهدة» أو «اتفاق السلام» له دلالة سياسية وقانونية واضحة: فهو يثبت المبادئ الكبرى ويؤجل التفاصيل الأكثر تعقيداً إلى ملاحق أمنية ومفاوضات لاحقة، بما يتيح لكل طرف أن يقدّم الاتفاق لجمهوره باعتباره خطوة محسوبة، لا استسلاماً ولا تنازلاً مطلقاً.
يتألف نص الإطار من مقدمة وبنود جوهرية، أبرزها البندان الأول والثاني اللذان شكّلا أساس الإطار.
تبدأ المقدمة بتأكيد أن «حكومة دولة إسرائيل وحكومة الجمهورية اللبنانية، وبدعم كامل من الولايات المتحدة الأمريكية... تؤكدان هدفهما المشترك المتمثل في تحقيق سلام وأمن دائمين». وهنا تبرز ثلاث نقاط:
* «الثلاثية»: الولايات المتحدة ليست وسيطاً محايداً فحسب، بل طرف ضامن وراعٍ، وهو ما يمنح الاتفاق ثقلاً سياسياً أكبر.
* «الهدف»: «سلام وأمن دائمان» وليس مجرد «تهدئة» أو «وقف إطلاق نار».
* «الطموح»: «إنهاء النزاع القائم... وإقامة علاقات جوار سلمية»، وهي صياغة تتجاوز منطق إدارة الصراع إلى منطق تجاوزه.
ينص البند الأول على أن «إسرائيل ولبنان... تعلن نيتهما إنهاء النزاع بينهما بشكل نهائي، ومعالجة أسبابه الجذرية، وبالتالي إنهاء أي حالة حرب قائمة بينهما بصورة رسمية».
هذه الصياغة مهمة لسببين: أولهما أنها اعتراف متبادل بحق كل دولة في الوجود بسلام كدولتين «ذات سيادة ومتجاورتين». وثانيهما أنها تؤسس لمفاوضات ثنائية مباشرة «بوساطة ودعم من الولايات المتحدة»، أي نقل الملف من مجلس الأمن وقوات اليونيفيل إلى طاولة ثنائية.
ويعتبر البند الثاني الأكثر عملية وإشكالية وفي الوقت نفسه يلتزم الطرفان ب«عملية متبادلة ومتدرجة، وفق شروط واضحة» في مقدمتهامايحصل عليه الجانب اللبناني:
بحيث: «تستعيد القوات المسلحة اللبنانية سلطة الدولة الفعلية على كامل الأراضي اللبنانية، بعد التحقق من نزع سلاح الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة وتفكيك بنيتها التحتية».
ومن الصعب فهم الاتفاق بمعزل عن متغيرات إقليمية ودولية من بينها الضغط الأمريكي ومذكرة التفاهم مع إيران. وقد عبّر مسؤولون إسرائيليون عن قلقهم من أن واشنطن تضع إسرائيل في دائرة ضيقة في لبنان، بمعنى تقييد هامش المناورة العسكرية لصالح مسار دبلوماسي.
وبعد أشهر من الاشتباكات، كان الجيش اللبناني والدولة اللبنانية تحت ضغط دولي لنزع سلاح حزب الله دون الدخول في مواجهة أهلية مباشرة. وقدّم الإطار مخرجاً: الدولة تبسط سلطتها، وإسرائيل تنسحب تدريجياً.
ويبقى الاتفاق إطاراً عاماً، ويواجه أسئلة جوهرية:لم تحدد آليات التحقق من نزع السلاح، وهنا تكمن بذرة الخلاف. إضافة الى مصير الملاحق كالملحق الأمني وتعني أن أصعب البنود أُجّلت. علاوة على الموقف الداخلي اللبناني: هل تقبل القوى السياسية والشعبية بمنطق «الدولة أولاً» على حساب فصائل مسلحة ترى نفسها جزءاً من معادلة ردع؟
كما أن الاتفاق لم يتطرق صراحة إلى النقاط المتنازع عليها في الحدود البرية والبحرية، وتركها ل«المفاوضات الثنائية».
يعتبر اتفاق الإطار اللبناني-الإسرائيلي في جوهره رهاناً على الانتقال من «إدارة الحرب» إلى «هندسة السلام». هو ليس نهاية الصراع، بل بداية. فنجاحه مرهون بقدرة الدولة اللبنانية على بسط سيادتها دون تفجير الداخل، وبقدرة إسرائيل على الالتزام بالانسحاب التدريجي من دون ذرائع أمنية، وبقدرة واشنطن على الحفاظ على دور الضامن لا المنحاز.
في الخلاصة، لا يعني أن هذا الاتفاق هو مثالي، بل هو مسار يمكن فرط عِقده في أي لحظة، لأنه يرتبط بقضايا عدة في أكثر من مكان.
ثمة قضايا جوهرية لم تعالج كموضوع الانسحاب الإسرائيلي علاوة على عودة الأسرى الذي أسماهم الاتفاق بالمحتجزين والنازحين إلى بيوتهم. وقضايا الإعمار.
