الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

استعادة «الطبقة الوسطى» للثقافة

10 يوليو 2026 00:38 صباحًا | آخر تحديث: 10 يوليو 00:39 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
في علم الاقتصاد يشار دائماً إلى خطورة اختفاء الطبقة الوسطى، الأمر الذي يتسبب بشكل مباشر في اتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وفي الثقافة أيضاً يحدث الأمر عينه ولو بصورة مجازية، فحين تتآكل الطبقة الوسطى الثقافية، يصبح الواقع الثقافي منقسماً بين مشاريع ضخمة تستحوذ على الاهتمام والموارد، ومبادرات صغيرة تكافح للبقاء، مع انحسار في المساحة التي كانت تسمح للتجربة الثقافية بالتدرج والنمو والتراكم.
الطبقة الوسطى الثقافية العربية، كانت تاريخياً حاملة لمشاريع النهضة والتعليم والصحافة والترجمة، ومنها خرج الكتّاب والباحثون والمسرحيون والناشرون. لكن الواقع هذه الأيام ينبئ أن هذه الطبقة ترزح تحت ضغوط اقتصادية واجتماعية قاسية، هي في غالبها ترتبط بارتفاع تكاليف الحياة، ما دفع أفراد هذه الطبقة للتركيز على تأمين الاحتياجات الأساسية.
ولعل خطورة تراجع هذه الطبقة تكمن في أن الثقافة تفقد جمهورها الطبيعي، فالنخبة وحدها لا تصنع حياة ثقافية، والجماهير وحدها لا تكفي، ولا بد لنا من جسور تربط الجمهور بالمعرفة، هذه الطبقة الوسطى هي أفضل رابط، إذا تم المحافظة عليها وتنميتها بشكل صحيح، إذ يندرج تحتها على سبيل الذكر لا الحصر، القارئ غير المتفرغ، والمعلم الذي يجعل من دروسه نافذة على التفكير، وأيضاً الصحفي الذي يكتب بلغة الناس، والموظف الذي يستريح من عناء العمل في أروقة معرض فني أو أمسية شعرية، هذه الطبقة الاجتماعية تقرأ الكتاب وتزور المعارض، وتتابع المسرح والفنون، فتغدو الميزان الذي يمنع المجتمع من الانزلاق نحو التسطيح العام.
يجب أن ندرك أن أخطر نتائج تراجع هذه الطبقة، هو ظهور «فراغ ثقافي» تملؤه خوارزميات عصر التقنية والسرعة، فنحن نعيش طفرة تكنولوجية متسارعة، والأيام المقبلة تحمل لنا جعبتها تطورات أكبر على مستوى تفاعل الآلة مع الإنسان ومع ما ينتجه من معرفة، ونلاحظ كيف أنه في السنوات الأخيرة قد نافست المعلومة السريعة المعرفة، وتعززت ثقافة الانطباع محل النقد الجاد، وهو أمر يؤدي في نهاية المطاف إلى تراجع في القدرة على إنتاج جمهور قارئ ومتذوق وناقد، الجمهور الذي يمنح الفنون معناها الاجتماعي، ويمنح المسرح جمهوره، ويمنح المدينة روحها.
وسط هذا المشهد العالمي، نجد إمارة الشارقة نموذجاً محافظاً على توازن الطبقات الثقافية، ضمن مشروع ثقافي طويل النفس، في معرضها للكتاب، وبيوت الشعر، وأيام الشارقة المسرحية، وغيرها، تتعامل الشارقة مع الثقافة كمشروع اجتماعي متكامل، ومن هنا تبرز أهمية الشارقة كنموذج نفخر به، لأنها سعت إلى توزيع الثقافة اجتماعياً، وإلى جعلها متاحة بين الأجيال، وبين الفئات، وبين الاهتمامات المختلفة.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة