الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

زهايمر عام جداً

12 يوليو 2026 00:12 صباحًا | آخر تحديث: 12 يوليو 00:13 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
لم تعد الأحداث الكبرى في أيامنا هذه تختفي من ذاكرة الشعوب سريعاً لأن أحداً لم يوثقها، بل لأن طبيعة العصر تزيحها من بؤرة الوعي قبل أن تستقر فيه وتجد لنفسها موطئاً، ففي زمن تدفق المعلومات كسيل منحدر من قمة جبل، تتلاحق الأحداث على نحو محموم، كما لو كانت تتصارع على انتباه الجماهير، فما أن يبدأ حدثٌ في فرض أسئلته ومعانيه حتى يندفع حدثٌ آخر لينتزعه من بؤرة الاهتمام، فالحرب الروسية التي ملأت الشاشات تراجعت مع اندلاع حرب غزة، ثم اتجهت العيون والعقول إلى الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران، قبل أن تزاحمها كأس العالم واهتمامات أخرى جديدة.
الوقائع لا تغيب مع عتمة الليل، لكنها تتوارى في زوايا النسيان المؤقت تحت جحافل «التريند» المتعاقبة، إننا لا نعيش مجرد طفرة تكنولوجية، بل نمر بتحول عميق في علاقتنا بالذاكرة والانتباه، حتى بدا وكأننا أصبنا بشكل من «فقدان الذاكرة التقدمي» على مستوى جمعي.
في الطب، يعيش المصاب بهذا المرض حاضراً محضاً بلا امتداد، يستوعب ما يدور حوله في اللحظة ذاتها، لكن بمجرد أن يتشتت انتباهه لثوانٍ، تُمحى المعلومة تماماً كأنها لم تكن، هذا تماماً ما تفعله اليوم منظومة الإعلام الرقمي بالعقل العام. نحن نُشحن بالعواطف الجياشة، نغضب، نندد، نتضامن، ثم بحركة أصابع عابرة على شاشة الهاتف، يُطوى الحدث ويحل آخر، ويتقلب الوعي بين مشاهد دامية وصور ساخرة وفضيحة لنجم، وجريمة زاعقة!
الخطورة هنا لا تكمن في ضعف الذاكرة، بل في تحلل «الوعي»، الذاكرة هي التي تصنع الهوية، وهي الجسر الوحيد الذي يربط النتيجة بأسبابها، وحين تعجز المجتمعات عن الاحتفاظ بالحدث لفترة تكفي لتأمله وتفكيكه، فإنها تفقد بالتبعية قدرتها على «المحاسبة» أو التعلّم، ويصبح الواقع مجرد سلسلة من الصدمات الكهربائية المتتالية التي تثير ردود أفعال عصبية مؤقتة، دون أن تُراكم وعياً أو تُؤسس لموقف فكري ناضج.
إن إنسان هذا العصر محكوم عليه ب«عقوبة سيزيف» الرقمية، سيزيف الإنسان الذي حكمت عليه آلهة الأوليمب بحمل صخرة صعوداً إلى قمة الجبل، وكلما اقترب من القمة تسقط، فيعاود الصعود بها إلى ما لا نهاية دون توقف، فإنسان العصر كلما وصل إلى قمة التفاعل، يعيده الفضاء الرقمي إلى السفح، ليبدأ في يومه التالي البحث عن صخرة معلومات جديدة، وهكذا تحولنا من «صنّاع مواقف» إلى «مستهلكي إثارة».

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة