الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

الذاكرة.. آخر أسوار طروادة

8 يوليو 2026 00:26 صباحًا | آخر تحديث: 8 يوليو 00:27 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
لو كتب هوميروس طروادة في هذا الزمن، لما غيّر الحصان، بل غير الخدعة، فلن ينتظر عند الأسوار حتى يُؤذن له بالدخول، بل سيترك أهل المدينة يعبرون إليه وهم يظنون أن الطريق أصبح أكثر أمناً من البقاء خلف جدرانهم، فالحيلة العظمى لم تعد في اختراق الأسوار، بل في إقناع أصحابها أن الخطر غادر المكان، وأن الذاكرة لم تعد ضرورة.
وحين ينجح هذا الوهم، يصبح حضور تشييع مشهداً عابراً، بينما تبقى القناعات الحقيقة الوحيدة التي لا تبدلها المناسبات. قد تتقاطع الخطى وفاءً للعرف، لكن الأعراف لا تعيد كتابة العقائد، ولا تمحو ما استقر في النفوس. وقد يجد الضيف نفسه شاهداً على كلمات تعيده إلى التعريف القديم، لا لأنه تغير، بل لأنه لم يتغير قط، فأقسى الرسائل تلك التي تُقال جهاراً، لتسأل: هل ما زلتم تسمعون؟ وهل ما زلتم تتذكرون؟ عندها لا يعود السؤال: لماذا قيل الكلام؟ بل: لماذا ظننا أن تبدل المشهد يكفي لتبدل القناعة؟
لقد تغيّر تعريف طروادة مع الزمن، ففي الأمس، كان الحصان جسداً من خشب ينتظر أن يُسحب إلى داخل المدينة، أما اليوم فقد أصبح فكرةً تتسلل إلى النفوس قبل أن تقترب من الأسوار. لم يعد الخطر يبحث عن باب مفتوح، بل عن بيت انشغل أهله بخلافاتهم حتى نسوا أن اختلاف الغرف لا يعني هدم السقف. ولم يعد انتصاره في اقتحام الأسوار، بل في إقناع أهلها أن خلاصهم قد يكون خارجها. هناك، ينمو الحصان في المسافة التي تتسع بين الإخوة، ويكبر كلما ظن كل طرف أن الطريق إلى الآخر أكثر أمناً من العودة إلى أهل داره. وهكذا يربح الخصم مرتين: مرة حين ينجح في تشتيت أهل البيت، ومرة حين يكتشف أنهم حملوا الحصان بأيديهم، وهم يظنون أنهم يحملون نهاية الخصومة، فإذا بهم يفتحون لها باباً جديداً.
وليس في حفظ الذاكرة دعوة إلى العيش في أسر الماضي، فالأمم لا تبني مستقبلها بالكراهية، كما أنها لا تبنيه بالنسيان. هناك فرق بين قلب يعرف كيف يسامح، وعقل يعرف كيف يتعلم، فالمصالحة الحقيقية لا تبدأ عندما نطلب من الذاكرة أن تصمت، بل عندما نثبت لها أن ما حدث لم يعد قابلاً للتكرار، فالذي يطوي الصفحة بحكمة، يقرأ ما كُتب فيها أولاً، لأن الصفحات التي نمزقها من الذاكرة قد تعود يوماً لتُكتب على جدران المستقبل.
الدرس الذي يتركه التاريخ لنا أن نعرف إلى أين نذهب، وأن ندرك أن سقف العائلة، مهما اختلفنا تحت ظله، يبقى الملاذ الأخير حين تبحث الرياح عن أبواب مفتوحة.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة