تُغري المقارنة بين الباحثين الشباب والمخضرمين بتقسيمٍ سهل: شبابٌ يملكون الجرأة، وكبارٌ يملكون الحكمة.
على موقع «دي. دبليو» نطالع عرضاً من إعداد ابتسام فوزي لنتائج دراسة حديثة حللت بيانات علماء نُشرت أعمالهم بين 1960 و2020، ترى أن هذه الثنائية أكثر تعقيداً مما تبدو عليه، فلكل مرحلة عمرية نمطها من الإبداع العلمي.
في بدايات المسيرة البحثية يكون الباحث أقل التصاقاً بالمسلمات التي تحكم الحقل المعرفي الذي يعمل فيه. لم تتصلب بعد علاقته بالمناهج، ولم تتحول الأدبيات المؤسسة إلى سلطة نفسية ومعرفية يصعب مساءلتها، لهذا يبدو الباحث الشاب أكثر استعداداً لطرح أسئلة قد يراها غيره ساذجة، لكنها في أحيان كثيرة تكون من النوع الذي لم يجرؤ أحد على طرحه.
هذا التحرر النسبي من الإرث المعرفي يمنح الشباب قدرة على تفكيك أنماط التفكير القائمة، بل أحياناً استبدالها بالكامل، كونه لا يشعر بأنه مدين بالولاء الكامل للطرائق التي تعلّم عبرها، ولذلك يكون أكثر استعداداً للمغامرة الفكرية، وأقل خوفاً من الفشل أو من اتهامه بالخروج عن السائد.
في المقابل، لا يعني التقدم في العمر تراجعاً في القيمة العلمية، بل هو انتقال إلى نوعٍ آخر من الإبداع، فمع تراكم الخبرة يصبح الباحث أكثر قدرة على الربط بين الحقول، وإعادة تركيب الأفكار الموجودة أصلاً في سياقات جديدة، ولهذا غالباً ما يبرع في توظيف معارف معروفة مسبقاً في مجالات مختلفة بطرائق مفاجئة، والمفارقة أنّ الخبرة التي تجعل الباحث أكثر رسوخاً قد تجعله أيضاً أقل انفتاحاً على المقاربات المختلفة، ومع مرور الزمن، لا يصبح التحدي هو اكتساب المعرفة، بل التحرر من سلطة المعرفة المتراكمة.
وليس من المصادفة، بحسب الدراسة، أن دولاً ذات مجتمعات بحثية فتية مثل الصين والهند تنتج قدراً أكبر من الأبحاث الرائدة، فحين تكون المؤسسات العلمية أكثر انفتاحاً على ضخ دماء جديدة، فإنها تتيح فرصاً أكبر للقطيعة المعرفية الخلّاقة.
غير أن الخطأ سيكون في تحويل هذه النتيجة إلى دعوة رومانسية لتفضيل الشباب على المخضرمين، فالعلم لا ينهض بالمغامرة وحدها ولا بالخبرة وحدها، فالمعرفة مثل الحياة نفسها، تحتاج دوماً إلى شيئين يكملان بعضهما، وإن ظهرا متناقضين في الشكل: من يشكّك في العالم كما هو، ومن يعرف كيف يقترح المخارج من أزمات هذا العالم.
