يا الله، ما هذه المصادفة؟
غادرت مكتبي، قبل أيام، عائداً إلى بيتي، أسلك الطريق نفسه لأكثر من عشرين سنة، حتى أصبحت الرحلة عادة لا تحتاج إلى تفكير، وفجأة، وجدتني في طريق آخر، لم أكن شارداً، ولم تكن هناك تحويلات مرورية.
بهدوء، حاولت تصحيح المسار، دخلت شارعاً جانبياً، وبعد أمتار قليلة، سمعت دقات خفيفة على زجاج سيارتي، التفتُّ لأجد رجلاً بين الشباب والكهولة، ترتسم في عينيه نظرة انكسار، أنزلت الزجاج، قال بصوت خفيض: «ممكن تشتري لي طبق كشري»؟
أخرجت بعض النقود، رفضها بشدة: لا أريد مالاً.
ركنت السيارة، اشتريت ما طلب، ومضيت في حال سبيلي، وسؤال مُلحّ يلاحقني: كيف حدث هذا؟ كيف التقى خطأ في طريق احفظه عن ظهر قلب بإنسان بسيط في حاجة إلى مساعدة؟
علمياً، يبدو الجواب سهلاً، نقولها لأنفسنا: «جلّ من لا يسهو»، ويمكن لأيّ إنسان أن يسرح لحظات، أو ينعطف تلقائياً من دون انتباهز واجتماعياً، لا تخلو مدينة كبيرة كالقاهرة من محتاجين يمكن أن نصادف أحدهم في أيّ وقت، لكن هذه التفسيرات على وجاهتها لم تشبع عقلي، ولا مشاعري.
تحدث الفلاسفة طويلاً عن العلاقة بين المصادفة والضرورة، ويخبرنا علم النفس أن الإنسان كائن يبحث عن المعنى، ويحاول أن يربط بين الأحداث المتفرقة، لكن يبقى دائماً ما تعجز الفلسفة وعلم النفس عن تفسير، وهو «تدبير الله للكون».
نحن لا نرى إلا جزءاً صغيراً من المشهد، بينما تغيب عنا ملايين التفاصيل الأخرى، قد لا أعرف سرّ هذه المصادفة، لكنني على يقين أن للمصادفة قانوناً مثل كل الأشياء التي خلقها الله، قانون لا نعرفه، لأن ثمة سنناً وقوانين فوق قدرتنا على الإحاطة بالحكمة الإلهية.
