أدين لمدرس لغة عربية، لا أظن أن ذاكرته اليوم تحتفظ حتى باسمي، بأثرٍ ما زلت أعيشه. قرأ يوماً نصاً كتبته، ثم قال جملة عابرة بقيت معي سنوات. لم يكن يعلم أنه لم يشجع طالباً على موضوع تعبير، إنما وضع حجراً صغيراً في طريق ما زلت أسير فيه.
كلما تذكرته، لم يشغلني ماذا قال، بقدر ما شغلني كم شخصاً مرّ في حياتنا وغيّرها دون أن يعلم، ثم مضى تاركاً أثراً سيعيش بسنوات.
أغرب ما في الأثر الإنساني أن صانعيه لا يعرفون غالباً أنهم صنعوه. قد لا يتذكرون أسماءنا، وربما رحلوا وهم يظنون أنهم لم يتركوا خلفهم سوى مرورٍ عابر. وربما نحن أنفسنا كذلك: أثرٌ في حياة أحدهم، لا نعرف أننا تركناه، لكن الإنسان لا يغيّر الآخرين دائماً بقصد.
في الماضي، كان من السهل أن تضع الحياة في طريقنا من يغيّرنا: معلم، أو كتاب يقع في أيدينا صدفة، أو صديق يختلف عنا، أو رحلة، أو خسارة قاسية. لم تكن تلك اللقاءات جزءاً من خطة، لكنها كانت تعيد ترتيب الداخل بصمت. كثير من تحولاتنا بدأ بمصادفة صغيرة. لم يكن ذلك الماضي أكثر حكمة منا، بل كان أضيق خياراً.
أما اليوم، فنعيش عالماً أقل مفاجأة. نقرأ كثيراً، لكن ما نقرأه يشبه ما قرأناه. تقترح علينا المنصات كتباً وأفلاماً وأشخاصاً يشبهون ما نحب، فلا يصل إلينا إلا ما يشبهنا، حتى نظنّ أننا اخترناه.
ولهذا، قد لا يكون أكبر ما فقدناه هو الوقت ولا التركيز، بل اللقاء الذي يأتي من خارج دوائرنا، فيربك ما استقرّ فينا.
وكلما تذكرت ذلك المدرس، أدركت أن حياتي لم تتغير لأنني بحثت عمّن يغيّرني، لكنها تغيّرت لأن الحياة وضعت في طريقي إنساناً لم يعرف أنه يفعل ذلك.
كانت هي التي تختار، لا أنا. لذلك لا أفكر في الكلمة التي قالها بقدر ما أفكر في السؤال الذي تركه خلفه: ماذا لو لم ألتقه يوماً؟ ماذا لو لم نعد نلتقي بمن يغيّرنا؟
