الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
آخر الكلام

حين أصبح الرأي هوية

6 يوليو 2026 00:05 صباحًا | آخر تحديث: 6 يوليو 00:05 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
تخاصم صديقان قبل أيام. السبب صورة. نشر الأول صورة جمعتهما في حفل توقيع أحد الكتّاب، فاتصل به الثاني غاضباً: احذفها، لا أريد أن يظن الناس أنني أوافقه على آرائه. لم يقل الرجل رأياً واحداً، لكن وقوفه في الصورة أصبح موقفاً يُحاسب عليه.
في الماضي كان الإنسان يخشى أن يعلن رأيه. اليوم صار يخشى حتى أن يُرى بجوار رأي لا يخصه.
أما أصعب شيء على الإطلاق فهو أن تقول: كنت مخطئاً.
كان تغيّر الرأي قديماً جزءاً من النضج. الفقيه يراجع فتواه، والفيلسوف يتجاوز كتابه الأول، والعالم يصحح نظريته. كان الرأي فكرة نملكها، نختبرها بالتجربة، ثم نستبدلها إذا وجدنا ما هو أصدق. المعرفة لا تتقدم بالتشبث بالصواب، بل بالشجاعة في تصحيح الخطأ. كان تصحيح الخطأ فضيلة معرفية، فأصبح مغامرة مشوبة بالحذر.
اليوم انقلبت المعادلة.. كانت الهوية تسبق الرأي، فصار الرأي يسبق الهوية ويعيد تشكيلها. ماذا يحدث حين تصبح فكرتك تعريفاً لك؟
صار الرأي ملكية نحرسها. انقلبت العلاقة بيننا وبين أفكارنا.
لم نعد نقول هذا رأيي، أصبح الرأي هو من يقول: هذا صاحبي.
لماذا يتمسك الإنسان برأيه بهذا الإصرار؟
ليس لأنه صحيح دائماً، بل لأن بعض الآراء لا تمنحنا إجابات فحسب، بل تمنحنا مكاناً نقف فيه، وأشخاصاً نشبههم.
الرأي لم يعد إجابة عن سؤال، أصبح إجابة عن الوحدة.
والاقتناع يترك لك باباً مفتوحاً للخروج. الانتماء يغلقه خلفك. ونحن اليوم لا نقتنع بالأفكار، ننتمي إليها كما ننتمي لقبيلة.
لهذا التحول سبب. الرأي في المجالس كان ينتهي بانتهاء المجلس. لا أحد يحاسبك على كلمة قلتها قبل عشر سنين. اليوم كل كلمة محفوظة، مؤرشفة، جاهزة للاستدعاء.
ما يُعلن على الملأ يصبح جزءاً من السمعة، لا من التفكير. والتراجع عن الفكرة حدثٌ اجتماعي لا مراجعة فكرية، وصار الخوف من الأرشيف يمنعنا من أن نتطور طبيعياً.
الإنسان لا يملك كل الإجابات، لكنه ينمو بقدرته على مراجعتها. وهذه واحدة من أجمل وجوهنا. من ينكر على الإنسان حقه في التغيّر، ينكر عليه جوهر تطوره. والأفكار التي لا تسمح لنا بمراجعتها، تتحول مع الوقت إلى سجون هادئة.
في نهاية المطاف، هل ما زلنا نملك آراءنا، أم أصبحت آراؤنا هي التي تملكنا؟
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة