يميل بعض الناس إلى الاكتفاء بمصدر واحد يأخذون منه معارفهم، فيتابع أحدهم كاتباً معيناً يثق به، أو قناة واحدة يبني من خلالها بعض آرائه. وفي مثل هذه المحدودية، قد تكون هناك راحة، إذ يشعر الإنسان بالأنس مع مصدر محدد ألفه، بدلاً من عناء البحث والمقارنة، لكن هذه الراحة لها ثمن قد لا يتم الانتباه إليه، فهو يرى الموضوع أو القضية من زاوية واحدة، ويحسب أنها هي الصورة الكاملة.
كل مصدر، مهما بلغت ثقة الإنسان به، له نظرة محددة، ومن موقع وهدف محدد، وله ميوله واهتماماته وما يركز عليه وما يغفل عنه. لذا، فإن من يأخذ ثقافته أو معارفه ومعلوماته من مصدر واحد، يتشكل لديه فهم وفقاً لذلك المصدر، فيظن أن الذي لم يصله غير موجود أو خاطئ، وأن الرأي الذي سمعه هو الرأي الوحيد الممكن. وقد يبني على هذا الفهم المحدود قناعات يصعب تغييرها فيما بعد.
حين يعتاد الإنسان على صوت واحد، يفقد بشكل تدريجي قدرته على تمييز الجيد من الرديء، لأنه يفتقد حس المقارنة والمفاضلة، ولا توجد لديه تعددية في الأفكار ولا الخيارات. أما من يطالع ويقرأ ويسمع من أكثر من مصدر، فيلاحظ أين تتفق المعلومات وأين تختلف، وهذا الاختلاف نفسه يعلمه أن للمسألة أكثر من وجه، ويدفعه إلى التفكير بدلاً من التلقي المستمر.
تنويع المصادر لا يعني تصديق كل ما يقال، بل على العكس، لأنك عند سماع رأي واحد يسهل أن تسلم به، أما حين تضع الآراء المختلفة بعضها إلى جانب بعض، وتقوم بالموازنة بينها والتفكير في أفضلها، والبحث عن الأقوى حجة والأقرب إلى الصواب، فإنك تنتقل من التلقي وحفظ ما يقال، إلى التفكير والفحص والاختيار، وتكوين رأيك بنفسك.
وللانتقال من كونك متلقياً إلى كونك مفكراً، قد تكون أول خطوة توسيع دائرة ما تقرأ وما تسمع، وتضيف إلى المصادر المألوفة مصادر أخرى متعددة ومتنوعة. جرب أن تقرأ لمن يرى الأمر على غير ما ترى، ليس لتتبنى رأيه بالضرورة، بل لتفهم كيف يفكر؟ ولماذا وصل إلى ما وصل إليه؟
من المهم عندما تصل المرء منا معلومة حياتية تهمه أن يبحث عنها في أكثر من موضع ومصدر، لأنه وفقاً لها قد يبني أحد قرارات حياته. ومن يتمتعون بالذكاء وبعد النظر هم في العادة الأكثر بحثاً عن المعلومة والمعرفة من عدة مصادر، فلنكن من بينهم.
