الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

صحوة أوروبية في الشانزليزيه

16 يوليو 2026 00:07 صباحًا | آخر تحديث: 16 يوليو 00:07 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
كان لافتاً العرض العسكري التقليدي الذي أقامته فرنسا بمناسبة يومها الوطني، إذ غصّت جادة الشانزليزيه الشهيرة بحشد عسكري غير مسبوق في تاريخها، شارك فيه نحو 6700 جندي مشاة، و315 مركبة عسكرية، مدعومين بغطاء جوي قوامه 98 طائرة و31 مروحية، إلى جانب قوات مثّلت 35 دولة، في مقدمتها أوكرانيا. ولتأمين هذا الحدث الاستثنائي، فرضت السلطات طوقاً أمنياً صارماً بنشر 70 ألف عنصر شرطة في أنحاء العاصمة باريس.
الأليزيه، الذي يبدو أنه أعد جيداً لهذا الحدث الاستثنائي، أكد أن غايته إبراز إعادة تسليح فرنسا واستقلاليتها والصحوة الاستراتيجية لأوروبا» وامتلاكها «جيشاً جاهزاً للقتال»، قادراً على مواجهة تحديات القرن الحالي، بالتزامن مع توترات مصيرية وحاسمة تهز العالم من وسط أوروبا إلى الشرق الأوسط. ولا يخلو الأمر من رسائل صارمة، تعكس رغبة فرنسا في استعراض عضلاتها العسكرية وتأكيد قيادتها للعمق الدفاعي الأوروبي، وهو طموح طالما راود الرئيس إيمانويل ماكرون، منذ ولايته الأولى، متمثلاً في بناء عقيدة دفاعية أوروبية مشتركة ومستقلة عن الولايات المتحدة، ومدفوعة بمخاوف مشروعة من توسع رقعة الصراعات الإقليمية، وفي مقدمتها الحرب في أوكرانيا.
من أعراف السياسة الفرنسية أنها واقعية، حتى في أحلك الأزمات التي مرت بها، وبرعت في إدارة التوازنات الحرجة والبحث عن مخارج عملية تلائم مصالحها العليا، من دون الانجرار وراء العواطف السياسية. واليوم لا ينظر ماكرون إلى نفسه على أنه نابليون يقود الجيوش لإعادة رسم خريطة القارة العجوز بالقوة، بل يرى في دوره مهندساً لواقعية أوروبية جديدة، مدركاً في ذات الوقت حدود القوة الفرنسية والقيود التي تفرضها التحولات الجيوسياسية الراهنة، الأمر الذي يدفعه إلى حشد الشراكات وإيقاظ الوعي الأمني المشترك لحماية مستقبل أوروبا.
الصحوة الأوروبية، التي تأملها فرنسا، ربما جاءت متأخرة بعض الشيء، ولن تفلح في جبر التصدعات الكثيرة التي ألمّت بأوروبا في السنوات الماضية، بسبب الانقسامات السياسية الداخلية وتأخر تطوير القدرات الدفاعية المستقلة، وزيادة التحديات الأمنية على جبهات متعددة. وأول الصدع بدأ مع الحرب بين روسيا وأوكرانيا منذ أكثر من أربع سنوات، وأظهرت أن «القارة العجوز» باتت مكشوفة استراتيجياً وعاجزة عن حماية أمنها القومي من دون المظلة الأمريكية التقليدية.
وقد عرّى هذا النزاع الطويل فقر المخازن العسكرية الأوروبية، وبطء سلاسل التوريد، والاعتماد المزمن على حلف «الناتو»، الذي بات متصدعاً بدوره و«ميتاً دماغياً» كما وصفه ماكرون قبل نحو عقد من الآن. والصدع الثاني أتى مع عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حاملاً معه سياسات متقلبة وضغوطاً اقتصادية وعسكرية جديدة، أعادت خلط الأوراق الجيوسياسية بين الولايات المتحدة وحلفائها، فضلاً عن تخبط سياسات هذه الإدارة الجمهورية، التي لا تؤمن كثيراً بالقواعد التقليدية التي تحكم العلاقات مع الدول الأخرى، ولا سيما الحلفاء الأوروبيين.
ربما يكون ماكرون أول الحالمين المعاصرين بنهضة القارة الأوروبية، ولكنه اليوم لم يعد وحيداً، ف«تحالف الراغبين» الأورومتوسطي الذي أطلقته فرنسا بمساندة بريطانيا لدعم أوكرانيا، ويضم أكثر من 30 دولة، قد يتحول إلى نواة لجيش أوروبي موحد، أو تحالف دفاعي قاري مستقل ينهي عقوداً من التبعية المطلقة لحلف «الناتو»، ويحقق الاستقلال عن الهيمنة الأمريكية، ويقف قوياً أمام التهديدات القادمة من الشرق، وتحديداً من التحديين الروسي والصيني.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة