الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

بين الفوضى والمقصلة

19 يوليو 2026 00:43 صباحًا | آخر تحديث: 19 يوليو 00:44 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
ثمة عراق يبدو محكوماً بالولادة الدائمة من رماد خياراته العصية، ففي أول موطئ قدم رسمي له في العاصمة الأمريكية واشنطن، لم يخطُ رئيس الوزراء العراقي، على الزيدي، فوق سجادة حمراء ممهّدة، بل سار بوجل فوق خيط رفيع ممدود بين هاويتين: فوضى السلاح واستباحة الفساد في الداخل، ومقصلة الشروط الأمريكية الصارمة في الخارج.
هذا التوازن الهش يصطدم مباشرة بالتعهدات الصعبة التي حملها رئيس الوزراء في جعبته خلال هذه الإطلالة الأولى في البيت الأبيض، ومساعيه الرامية إلى نزع سلاح الجماعات المسلحة، وحصره تماماً في إطار مؤسسات الدولة الرسمية، كخطوة أولى لبناء دولة القانون، وهو تحدٍّ أمني يعادل في خطورته تفكيك حقل ألغام نشط.
وفرض سيادة القانون لا يقف عند حدود السلاح، بل يتشابك بقوة مع جبهة داخلية شرسة تقودها الحكومة حالياً ضد الفساد، المالي والإداري الذي نهش مؤسسات الدولة لسنوات، ويعطل عجلة التنمية.
حملة ملاحقة الفاسدين، واسترداد الأموال المنهوبة، وتطهير الدوائر الحكومية في العراق، تمثل الآن الوجه الآخر لفرض هيبة الدولة التي تصرّ واشنطن على رؤيتها كشرط أساسي ومؤشر حقيقي لجدية الحكومة قبل المضي قدماً في أيّ تعاون طويل الأمد، غير أن ترجمة هذه الطموحات في نزع السلاح ومحاربة الفساد تظل محفوفة بالمخاطر، إذ إن تفكيك شبكات الفساد المعقدة، ومصالح الفصائل المسلحة، يعني صداماً مباشراً مع قوى نافذة داخل مفاصل الدولة ترى في السلاح المنفلت، والمال العام المستباح، شريان بقائها الوحيد، ما يهدّد بتفجير الجبهة الداخلية الهشة عند أول مواجهة حقيقية.
وفي الوقت نفسه الذي تحاول فيه بغداد خوض هاتين المعركتين في الداخل، تجد نفسها في مواجهة ضغوط خارجية لا تقل قسوة، مع اقتراب الموعد المفصلي لإنهاء مهمة التحالف الدولي، وهي اللحظة التي أرادها رئيس الوزراء أن تكون معبراً لشراكة استثمارية جديدة وصاغها بوضوح في مقالة له نشرتها «الواشنطن بوست»، حدّد خلالها طبيعة العلاقة مع الولايات المتحدة خلال السنوات المقبلة، مركّزاً على ضرورة أن تتحول هذه العلاقة العسكرية والأمنية إلى علاقات وشراكات اقتصادية.
واشنطن المتشككة لن تكتفي بالوعود الشفهية أو النوايا الطيبة، فالإدارة الأمريكية تربط شراكتها الاقتصادية وتدفق استثماراتها وتكنولوجيا الطاقة بقدرة بغداد الحقيقية على كبح تهريب الأموال، وتأمين النظام المصرفي من غسل الأموال، والانتصار في معركتها ضد الفساد المالي والسياسي لتوفير بيئة استثمارية آمنة تحمي رأس المال الأجنبي.
وهكذا، يجد القرار السياسي العراقي نفسه مكبلاً في مساحة رمادية تضيق بسرعة فائقة، فأيّ خطوة حاسمة لفرض سلطة القانون، ونزع السلاح، وملاحقة الفساد في حملات أكثر توسعاً من الجارية قد تشعل فتيل الفوضى والمقاومة من مراكز القوى التقليدية في الداخل، وأيّ تراجع، أو مهادنة مع السلاح والفاسدين، سيوقع البلاد في مزيد من الفوضى، علاوة على شد حبل الخناق الاقتصادي الأمريكي، وحرمان العراق من شريان حياته المالي، وتدفقات الدولار.
إنها مناورة وجودية معقدة لبلد يحاول النجاة من السقوط، مدركاً أن الخطأ في حساب التوازنات على هذا الحبل المشدود قد يعني النهاية.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة