لا أكتب اليوم مقالاً رياضياً ولا عن خسارة الأرجنتين كأس العالم، ولا عن تفوق إسبانيا، بل عن الصورة التي يتركها البطل في ذاكرة الناس، وعن القيم التي تمثلها الرياضة عندما يشاهدها مليارات البشر.
أنا من جيل أحب مارادونا، وتعجبني كرة القدم الأرجنتينية، لما يمتلكه الفريق، رغم أنه ليس فريقي المفضل، من موهبة وروح لا تستسلم، ولذلك لم تكن خسارة الأرجنتين هي ما صدمني، بل الطريقة التي اختارت بها أن تدافع عن تاريخها.
دخلت الأرجنتين كأس العالم إلى أن وصلت إلى النهائي وهي تحمل إرثاً كروياً عظيماً، لكنها بدت منشغلة بحماية النتيجة وصناعة التوتر أكثر من صناعة الجمال. كانت إسبانيا تلعب كرة القدم، بينما كانت الأرجنتين، في كثير من اللحظات، تلعب مباراة أخرى.
المشكلة ليست في الخسارة، فالهزيمة جزء من الرياضة وجزء من الحياة اليومية، بل حين يتحول البطل إلى مصدر للاستفزاز والاعتراض والاحتكاك، وأن يصبح الانتصار هدفاً يبرر كل وسيلة، هنا تخسر الرياضة شيئاً من معناها، لأن كرة القدم ليست مجرد منافسة على كأس، بل مدرسة يتعلم منها ملايين الأطفال كيف يفوز الإنسان، وكيف يخسر أيضاً.
حتى ميسي، ذلك العبقري الذي منح العالم سنوات من المتعة، بدا في هذه البطولة مختلفاً، لم يخسر موهبته، لكنه خسر شيئاً من صورته، والفرق كبير بين أن تكون لاعباً عظيماً، وأن تبقى قدوة عظيمة.
ولم يعد هذا مجرد انطباع شخصي، فقد وصف الإعلام الغربي الأرجنتين بأنها أصبحت «الشرير المفضل» في كأس العالم، كما انتقد واين روني وغاري نيفيل وآلان شيرر المشاهد التي صاحبت النهائي، معتبرين أنها لا تليق بمنتخب يحمل هذا التاريخ.
التاريخ لا يحفظ عدد البطولات فقط، بل يتذكر أيضاً كيف فاز الأبطال، وكيف تصرفوا عندما خسروا، فالكؤوس قد تعود بعد أربع سنوات، أما الصورة فقد تحتاج إلى سنوات أطول حتى تستعيد بريقها.
شكراً للولايات المتحدة وكندا والمكسيك على تنظيم هذا المونديال، ومبروك لإسبانيا هذا اللقب المستحق. لقد انتصرت لأنها قدمت كرة قدم جميلة، لكن الأهم أنها ذكّرت العالم بأن الفوز الحقيقي لا يكون برفع الكأس وحده، بل بالحفاظ على احترام اللعبة.
X: @MEalhammadi
