مثل كثيرين غيري، كان لديّ شغف امتدّ عقوداً بتدوين عبارات تروق لي من الكتب التي أقرأها في كراسات. أبدأ بوضع خطوط على جانب تلك العبارات في الكتاب المعني، أو تحت سطورها، قبل أن أتفرغ لنقلها إلى الكراس، وأحياناً أضع ما يشبه التبويب لهذه المقتطفات حسب الموضوعات. أختار عنواناً لكل موضوع وتحته، أدوّن الفقرات المتصلة به، من دون إغفال عنوان الكتاب، واسم مؤلفه، وحتى رقم الصفحة التي أخذت منها المقتطف، على نحو ما يفعل المشتغلون بوضع الأبحاث.
يومها لم يكن العم «غوغل» قد ولد بعد، فكان ما تضمنته تلك الكراسات من معلومات أو اقتباسات معيناً لي، أعود إليها عند الكتابة، وبمرور السنوات قلّ هذا الشغف عندي بسبب كثرة المشاغل غالباً، من دون أن يختفي تماماً، وبالمقارنة بين البحث عن معلومة، أو تاريخ واقعة، أو سيرة شخصية من الشخصيات على الشبكة العنقودية، يمكنني القول إن ما كنت أحفظه من مقتطفات في كراساتي أكثر دفئاً وقرباً من روحي، فأنا كنت من اختارها، لأنها لامست شيئاً في نفسي وأضاءت لي زوايا معتمة، ربما يعجز «غوغل» ونظراؤه عن بلوغها.
حضرت هذه الذكريات على بالي، عند قراءتي عبارات للروائي الماليزي تان توان إنغ، يقول فيها: «أحتفظ على الدوام بمفكرة صغيرة أدوّن فيها ما يساعدني على تذكّر أن أكتب شيئاً ما في ما يخص هذا أو ذاك، وقد أدوّن أحياناً جملة أراها محببة إلي، وأنتظر أن يأتي مكان مناسب لها في الرواية، وقد يحصل أحياناً أن أقرأ ما دوّنت في المفكرة، وأتساءل: (ما الذي كنت أفكر فيه عندما دونت هذا؟)».
في المفكرات لا ندوّن المقتطفات، أو العبارات التي تروق لنا فقط، وإنما أيضاً ما يخطر ببالنا من أفكار، وهو ما عناه الأديب التشيكي فرانز كافكا حين وصف الكراسات التي يدوّن فيها ملاحظاته بأنها «طاولة عمل» يعود إليها، ويلتقط عبر صفحاتها ما يعبر برأسه من أفكار، أما الروائية الإنجليزية فرجينيا وولف، فقالت إنّ مفكرتها تساعدها في غربلة «القطن الوهمي» للوصول إلى «الصدمات العنيفة والمفاجئة» التي تصنع الفن الحقيقي.
وبعد وفاة أنطون تشيخوف عثر بين أوراقه على مغلف سري، نشر لاحقاً تحت عنوان «دفاتر سرية»، ومما قاله فيها: «الذاكرة خائنة، والكاتب الذي لا يسجل الملاحظة فوراً يخسرها للأبد».
