يخلط الكثير من القراء، بل حتى الكُتّاب وبعض الصحف، بين السيرتين الذاتية والغيرية، بحيث يُطلَق على رواية أو مذكرات أو فيلم يتحدث عن شخص ما صفة «السيرة الذاتية»، في حين أن هذا الشخص المتَحدَّث عنه لم يقم بتأليف الرواية أو الفيلم أو المذكرات، وبالتالي، فإن المصطلح الصحيح في مثل هذه الحالة هو «سيرة غيرية»، ولا يمكن أن يكون سيرة ذاتية إلا إذا كان كاتب الرواية أو المذكرات يتحدث عن نفسه.
ولعل النظر إلى المصطلحين من زاوية علم الاشتقاق يشير إلى الجذور اللغوية الفلسفية التي تحول دون الوقوع في فخ الخلط بينهما، إذ إن السيرة الغيرية هي «البيوغرافيا»، وهي كلمة مشتقة من اليونانية وتتكون من كلمتين: «بيو» وتعني الحياة، و«غرافيا» وتعني التسجيل أو التدوين، وبصورة عامة تعني الكتابة عن حياة شخص بواسطة آخر. أما السيرة الذاتية فهي فن «الأوتوبيوغرافي»، وهي السيرة الذاتية التي يكتبها الشخص بنفسه عن حياته.
ويشترك كل من الفنَّين في مهمة التوثيق، لكن لكل منهما خصائصه ومميزاته، ففي السيرة الذاتية يتم التركيز على المشاعر، إذ تنقل انطباعات الكاتب الشخصية تجاه المواقف والمنعطفات الحياتية التي مر بها، وذلك أمر يعتمد على صدق المؤلف في نقل الوقائع من دون تزييف. وكذلك تعتمد السيرة الذاتية بصورة أساسية على قوة الذاكرة في استدعاء الأحداث القديمة التي عايشها الكاتب بنفسه. أما في السيرة الغيرية، فإن المؤلف يقوم باختيار شخصية معينة للكتابة عنها.
وعلى سبيل المثال، فإن كتباً مثل: «أينشتاين» للكاتب والتر إيزاكسون، و«فان جوخ» للكاتبين ستيفن نايفه وغريغوري وايت سميث، و«تولستوي» للمؤلف هنري ترويا، كلها تُعتبر كتب سيرة غيرية، إذ إن المؤلف يتناول حياة شخص آخر. وكذلك أفلام مثل «أوبنهايمر» و«العقل الجميل» كلها سير غيرية. أما مؤلفات مثل «الأيام» لطه حسين و«الاعترافات» لجان جاك روسو، وأيضاً بعض الأفلام التي يتناول فيها المخرج قصة حياته، فكل ذلك يندرج تحت أدب السيرة الذاتية.
وفي بعض الأحيان تكون هناك منطقة رمادية في الكتابة، وذلك عندما يتناول المؤلف حياته الشخصية ويضيف إليها سيرة والده وشخصيات تأثر بها وغير ذلك، ففي هذه الحالة يتحول الكتاب ليتأرجح بين السيرتين الذاتية والغيرية، وذلك نوعٌ من تداخل الأجناس، ولعل الخلط بين المصطلحين ناجم عن الترجمات بسبب التشابه بين الكلمتين، وكذلك غياب الاستقرار الاصطلاحي، إذ لم يكن هناك توافق نقدي موحد على مصطلح السيرة الغيرية ما جعل بعض الصحف تطلق وصف سيرة ذاتية على أي عمل يتناول حياة إنسان.
