الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

أم الإمارات.. عقلُ التمكين وروحُ النهضة

22 يوليو 2026 00:07 صباحًا | آخر تحديث: 22 يوليو 00:07 2026
دقائق القراءة - 4
شارك
share
حقٌ لكل ابنةٍ من بنات الإمارات أن تزهو بوطنها وأن ترفع رأسها فخراً، وأن تقول، لا على سبيل الاعتزاز وحده، بل على سبيل اليقين: «الإمارات وطني.. والإبداع عنواني.. وبنظهر الأقوى والأفضل»، فهذه ليست كلماتٍ ولّدتها مناسبة، ولا شعاراً صاغته حملة إعلامية، وإنما خلاصة مسيرة وطن، وفلسفة قيادة، ورؤية دولة آمنت بأن الإنسان هو الثروة التي لا تنضب، وأن الإبداع لا يُستعار، بل يُصنع، وأن الريادة لا تُمنح، بل تُكتسب، وأن المرأة حين تُمنح الثقة وتُطلق طاقتها تصبح قادرة على تجاوز المستحيل وصناعة المستقبل.
وكيف لا يصبح الإبداع هويةً راسخةً للمرأة الإماراتية، ولا تغدو صناعة الأمجاد جزءاً أصيلًا من تكوينها، وهي تستضيء بنور رؤيةٍ مشرقة، تشع من شمسٍ ساطعة اسمها «أم الإمارات»، سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، حفظها الله، تلك القامة الوطنية التي أدركت منذ البدايات أن بناء الإنسان هو المشروع الأعظم، وأن تمكين المرأة ليس مكسباً اجتماعياً، بل رهانٌ استراتيجي على قوة الدولة واستدامة نهضتها.
ولعل سر التجربة الإماراتية أنها لم تتعامل مع تمكين المرأة بوصفه ملفاً اجتماعياً مستقلاً، ولا باعتباره استجابةً لمتغيرات العصر، بل جعلته جزءاً من فلسفة الحكم، ومنظومة التنمية، ورؤية الدولة لمكانة الإنسان في معادلة التقدم، فالأوطان لا تُقاس بما تختزنه الأرض من ثروات، وإنما بما تطلقه العقول من أفكار، وما تصنعه النفوس من عزائم، وما تمنحه القيادات لشعوبها من ثقة تحول الطموح إلى واقع، والرؤية إلى منجزات تتجدد مع الزمن.
ومن هنا، لم يكن الرهان على المرأة رهاناً على نصف المجتمع، كما اعتادت الأدبيات التقليدية أن تصفه، بل كان رهاناً على مضاعفة طاقة المجتمع بأسره، فحين تُفتح أمام المرأة أبواب العلم، يتضاعف رأس المال البشري، وحين تُمنح الثقة، تتسع دوائر القيادة، وحين تصبح شريكاً في القرار، تتعاظم قدرة الدولة على الابتكار واستشراف المستقبل. وهنا تكمن عبقرية التجربة الإماراتية فهي لم تُغيّر موقع المرأة في المجتمع فحسب، بل أعادت تعريف دورها في صناعة القوة الوطنية.
ولذلك لم يكن وصول المرأة الإماراتية إلى مواقع القيادة حدثاً استثنائياً، بل نتيجةً طبيعية لفلسفة آمنت بأن الكفاءة هي المعيار، وأن المسؤولية تُبنى على الجدارة، وأن الاستثمار في الإنسان هو الاستثمار الوحيد الذي تتضاعف عوائده مع الزمن، ولهذا أصبحت ابنة الإمارات وزيرةً، وسفيرةً، وأديبة، وطبيبة، وقاضيةً، وعالمةً، ورائدة أعمال، وضابطةً، وباحثةً، ومبتكرةً، لا لأن الأبواب فُتحت لها، بل لأنها أُعِدّت لتكون أهلًا لها.
لقد نجحت سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، حفظها الله، في أن تجعل من التمكين ثقافةً وطنية مستدامة، وليس برنامجاً مؤقتاً، ولذلك تجاوز أثر رؤيتها حدود دعم المرأة إلى إعادة تشكيل الوعي المجتمعي نفسه، حتى أصبحت مشاركة المرأة في صناعة القرار والتنمية أمراً طبيعياً، يعكس نضج التجربة الإماراتية، ويجسد إيمانها العميق بأن التنمية الحقيقية لا تتحقق إلا حين تتكامل طاقات أبناء الوطن وبناته.
ومن هذا الفهم العميق، يكتسب شعار يوم المرأة الإماراتية «بنظهر الأقوى والأفضل» الذي أعلنت عنه سموها لهذا العام وتوجيهها باحتفاء وطني يمتد شهراً كاملاً دلالته الحقيقية، في أنه دعوة إلى مواصلة البناء، وإعلان عن مرحلة جديدة يصبح فيها التميز مسؤولية، والنجاح نقطة انطلاق، والريادة التزاماً دائماً بتجاوز الإنجاز نحو إنجاز أكبر، فالقوة هنا ليست قوة المنصب، وإنما قوة التأثير، وليست قوة الحضور، وإنما قوة الإسهام في صناعة المستقبل. أما «الأفضل»، فلا يعني التفوق على الآخرين بقدر ما يعني التفوق المستمر على الذات، وتجديد القدرة على الابتكار، ومواصلة ترسيخ المكانة التي وصلت إليها المرأة الإماراتية في مختلف الميادين. ولهذا، فإن شعار يوم المرأة الإماراتية 2026 «بنظهر الأقوى والأفضل» لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه شعاراً احتفالياً، بل بوصفه خلاصة مشروعٍ وطني امتد لعقود.
وليست عبقرية الشعار في أنه يتحدث عن القوة، بل في أنه يتحدث عن إظهارها، فهناك فرقٌ شاسع بين أن تصنع القوة، وأن تكشف عنها، فالقوة التي تُصنع قد تزول بزوال من صنعها، أما القوة التي تُكتشف فهي جزءٌ أصيل من طبيعة الإنسان.
لقد أثبتت الإمارات أن الحضارات العظيمة لا تبدأ من الأبراج الشاهقة، وإنما تبدأ من الإنسان القادر على بنائها، وأن الثروة الحقيقية ليست ما تختزنه الأرض، بل ما تختزنه العقول من معرفة، وما تحمله القلوب من انتماء، وما تصنعه الإرادة من إنجاز، وأثبتت سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك أن تمكين المرأة ليس هدفاً في ذاته، وإنما وسيلة لبناء وطن أكثر قوة، ومجتمع أكثر تماسكاً، ومستقبل أكثر قدرة على مواجهة تحديات الغد. ولذلك، لم تعد ابنة الإمارات شاهدةً على النهضة، بل أصبحت إحدى صانعاتها، ولم تعد تكتفي بالمشاركة في مسيرة التنمية، بل أصبحت شريكاً أصيلًا في رسم ملامحها، وركناً ثابتاً في معادلة القوة الوطنية. وحين تردد بثقة: «الإمارات وطني... والإبداع عنواني... وصناعة الأمجاد رسالتي، و«أم الإمارات» ملهمتي»، فإنها لا تردد شعاراً، بل تختصر قصة وطنٍ آمن بالإنسان، فصنع منه أعظم إنجازاته.
وهكذا ستبقى سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، حفظها الله، «أم الإمارات»، ليست فقط العقل الذي صاغ فلسفة التمكين، والروح التي بثت الثقة في أجيال من بنات الوطن، بل الضمير والمعنى الذي ألهم نهضته الإنسانية، وسيكتب التاريخ بحروف من نور أن رؤيتها لم تمكّن المرأة الإماراتية فحسب، بل أعادت تعريف معنى التمكين نفسه، فجعلته بناءً للإنسان قبل أن يكون بناءً للمؤسسات، ورسخت يقيناً بأن الأوطان التي تثق بأبنائها وبناتها هي وحدها القادرة على صناعة المستقبل.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة