الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

رسول نيتشه الأخير

22 يوليو 2026 00:08 صباحًا | آخر تحديث: 22 يوليو 00:08 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
كان الفيلسوف الألماني نيتشه قد بالغ في تمجيد النزعة الإنسانية، والانتصار لإرادة القوة، باعتبارها إرادة خيّرة، أنتجت في المرحلة اليونانية المبكرة أفراداً أقوياء وأكفاء، ذوي أجسام جميلة، وعقول ثاقبة، لديها القدرة على الإبداع. غير أن أوروبا، ولنحو الألفي عام، فيما يرى نيتشه، انتكست وسارت على الطريق الخاطئ، طريق التنوير. انتصر أصحاب فكرة التنوير للطبقات الذليلة على الأرستقراطية النبيلة، ونبذت كل الغرائز الأساسية للإنسان واعتبرتها أموراً معيبة. كما حثت على الشفقة بالآخرين، وهو شعور مدمر للغرائز المنشطة للحياة، يخسر معه المجتمع الكثير من طاقته الحيوية. ولذا فالشعور بالشفقة لدى نيتشه هو مجرد وسيلة لإقناع الناس بالخضوع للعدم، وكي تكون الوسيلة مقنعة لابد من تبريرها بمفاهيم يراها الناس سامية كالألوهية، الخلاص، الآخرة، خلود الروح.. الخ.
هذه المفاهيم لديه محض خرافة، وسائل قهر، استطاع القس في ذلك الوقت بواسطتها أن يصبح سيداً، وبات المؤمن عاجزاً عن الاستقلال بذاته، فصار وسيلة لا غاية، عنواناً لنكران الذات والاغتراب، لأن الدين السلبي يمد البشر العاديين بالرضى عن وضعهم، ويُعلي شأن انصياعهم، ويبرر آلامهم، بل يمدحها ويمجدها إلى درجة التقديس. ولذا فإن التنوير لديه هو دراكولا الأوروبيين، مصاصّ الدماء الذي سُلِّط على الإمبراطورية الرومانية فمحا تراثها الهائل وتنظيمها الذي كان من المتانة والثبات إلى الدرجة التي مكنته من تحمُّل وجود قياصرة سيئين، لكن متانتها لم تكن كافية للصمود في وجه التنويريين، الذين تسللوا تحت ستار الظلام إلى كل فرد، ليجتثوا منه الجدية التي يأخذ بها أمور الحياة، ويستبدلون طبائعه الذكورية النبيلة التي شكلت الروح الرومانية البطولية، بروح النسويين الجبناء ذوى الرقة الزائفة. ومن ثم يفهم نيتشه عصر النهضة باعتباره انتصاراً للقيم النبيلة.
كانت النهضة لديه بشارة عصر أكثر رجولة وشراسة، يتطلب رواداً يتوفر لديهم الشجاعة. وهنا يربط نيتشه بين تحقق الوجود وبين مفهوم المغامرة، ممجداً الحياة الخطرة، إذ ينصح جمهوره: «شيدوا مدنكم عند سفح بركان فيزوف! عيشوا في حالة حرب مع أشباهكم ومع أنفسكم! كونوا قطاع طرق وفاتحين.. الخ». لكن من يستطع الإبحار لديه ليس الإنسان العادي، بل الإنسان المتفوق/ السوبرمان، القادر على تجاوز الأخلاق الموروثة.
لقد جاءت فلسفة التنوير، وفي ركابها الديمقراطية الليبرالية لتقضي على حيوية الإنسان الأوروبي من جديد. فالديمقراطية إذ تستدعي قيم المساواة إلى حقل السياسة وممارسة السلطة، إنما تقع في خطيئة أصلية جديدة وهي التسوية بين أناس متفاوتي الملكات، وتشكيل قطيع حديث يشبه القطيع القديم الذي كان قد تشكل سابقاً. وهنا يربط نيتشه بين الفلسفة المثالية والعقائد الدينية، من زاوية أن تلك الثنائيات جميعاً إنما تُسخِّر المفاهيم الكبرى في محاربة الحواس والمجد والرفاهة والعلم. وعلى عكس هيجل، الذي اعتقد في أن الدساتير الديمقراطية، أعقاب الثورة الفرنسية، تقوم بتحرير عبيد الماضي وتجعل منهم سادة أنفسهم، رأى نيتشه أن الديمقراطية تمثل انتصاراً كاملاً للعبيد على السادة.. نعم هي تحرر العبيد قانونياً لكنها تمنح السادة أنفسهم أخلاقيات العبيد، لأن المواطن النموذجي في الدولة الديمقراطية هو ذلك الذي يتخلى عن اعتزازه بنفسه، وإيمانه بسموه وتفوقه، في مقابل حفظ البقاء وتوفير الراحة الشخصية وإشباع الغرائز الاستهلاكية. وهكذا، تصير الديمقراطية حرباً معممة ضد النبل والتفرد وإمكان المغايرة، ضد غزارة القدرة وجذوة السيادة الخلاقة. فالحُرّ لدى نيتشه هو القادر على أن يفعل ما يشاء، وقتما شاء، أما من يحترم القانون ويؤمن بالمساواة، ويطيع الأمر الأخلاقي حسب كانط، فمجرد عبد ذليل. إنه الفهم الحيوي للتاريخ، الذي نبتت منه كل الأفكار العنصرية عن التفوق الجنسي والعرقي، والذي يربط بين الحرية والعدوانية، بين الفاعلية والغريزة، بين الإنجاز والعنف. كما يرى في العقل والفضيلة والحكمة قيداً على الحضارة الإنسانية. إنه الفهم الذي يقف خلف كل نزعات الإمبريالية الغربية، والذي يتجسد اليوم ليس فقط في أكثر صيغه وحشية، بل أكثرها مسرحية وابتذالاً، فكل ما يلوكه الرجل الديكتاتور من بلاغة سياسية عدوانية، وحروب غير شرعية، إنما يشير إلى رجل يعتقد أنه السوبرمان، رسول نيتشه الأخير وقد نزع عن فلسفته كل أغطيتها، وكثَّف كل مكوناتها، حيث لا تفاوض مع العالم، ولا حوار بين المختلفين، بل أوامر نهائية يتعين تنفيذها ولو أفضت إلى حرب الجميع ضد الجميع.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة