الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

العالم بين لحظتين

2 سبتمبر 2026 00:02 صباحًا | آخر تحديث: 2 سبتمبر 00:02 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
قبل سبعة عقود واجهت مصر العدوان الثلاثي أعقاب تأميمها لقناة السويس من السيطرة الغربية، فهُزمت عسكرياً وانتصرت سياسياً، ما أدى إلى أفول الهيمنة البريطانية. واليوم تبدو إيران بفعل الحرب التي تواجهها، أقرب للهزيمة العسكرية بمعيار قوة التدمير، وإلى انتصار سياسي بالحساب الاستراتيجي، يُتوقع معه أفول عصر الهيمنة الأمريكية. المقارنة تبدو مغرية جداً بين ما يسميه البعض بلحظة السويس ولحظة هرمز، بحثاً عن الحدود التي يمكن للتاريخ خلالها أن يكرر نفسه، بغض النظر عما إذا كان هذا التكرار مأساة يعكسها دهاء التاريخ حسب هيغل، أو ملهاة تعكسها حماقة القوة حسب ماركس. غير أن ثمة اختلافات مهمة تحول دون إصدار حكم نهائي بغروب شمس الهيمنة الأمريكية، كما غربت شمس الإمبراطورية البريطانية.
الاختلاف الأول يتعلق بطبيعة التكوين الجيوسياسي، فبريطانيا تعد نموذجاً معيارياً لإمبراطورية استعمارية، تشكل جسدها الممتلئ من لحم المستعمرات، حول عمود فقري نحيف من جغرافية مركزية، قوامها عشرات الجزر البحرية، وذلك بدهاء السياسة قبل قوة السلاح. عاشت بريطانيا حقبة طويلة من الهيمنة، بلغت ذروتها في العصر الفيكتوري (1837 - 1901)، واستمرت فعالة حتى نهاية الحرب العالمية الأولى، قبل أن تأخذ في التراجع حتى الحرب الثانية، التي كشفت عن اضمحلال عناصر قوتها، وما إن انتهت حتى بدأت تفقد مستعمراتها بدءاً من الهند نهاية الأربعينيات، إلى الخليج العربي نهاية الستينيات، ليتبدى جسدها أقرب لقوة وسيطة مهما بلغ تقدمه العلمي، فالقطبية العظمى لها شروط طبيعية، جغرافية وديموغرافية لم تعد قائمة. أما الولايات المتحدة فدولة قارة، ثرواتها هائلة، جسدها الطبيعي يعادل أربعين ضعف الجزر البريطانية. نعم جزء كبير منه جرى ضمه بعد إعلان الاتحاد بين 13 ولاية 1776م، ووضع الدستور 1787م، لكن حدث ذلك في قلب امتداد طبيعي جغرافي وثقافي نحو الجنوب والغرب، كما جرت شرعنته بعملية دمج قصوى، بقوتي: التقنية والديمقراطية، اللتين نجحتا معاً في صمغ الاتساع الجغرافي والتنوع الديمغرافي. ومن ثم يمكن القول بأن بريطانيا كانت إمبراطورية شكلاً ومضموناً، اتسمت بالاصطناع الكامل، عادت إلى جغرافيتها فتراجعت هيمنتها بشكل حاد. أما أمريكا فإمبراطورية على صعيد الشكل فقط، أي بمعيار النفوذ السياسي والهيمنة الكوكبية، وليس على صعيد المضمون، فالتكوين الجيوسياسي، والحجم القاري يضمنان لها فائض قوة ضخماً، ويمنحانها حضوراً إمبراطورياً طبيعياً.
والاختلاف الثاني يتعلق بمدى وجود القطب البديل الجاهز للتحدي، المهيأ لوراثة الدور الذي كانت تلعبه بريطانيا قبل لحظة السويس، وهو أمريكا ذاتها، التي كانت راكمت فائضاً كبيراً من القوة الشاملة، استناداً إلى أدوات الثورة الصناعية الثانية، سرعان ما أخذت تستخدمه في توسيع مجالها الحيوي، وفي مساهمتيها المتأخرتين، لكن الحاسمتين، في الحربين العالميتين، الأمر الذي جعلها وريثاً طبيعياً لبريطانيا، استطاع أن يجبرها مع فرنسا وإسرائيل على الانسحاب من سيناء، بغض النظر عن الجدل غير المحسوم حول ما إذ كان ذلك الموقف جاء كاستجابة اضطرارية منها للإنذار الروسي الشديد اللهجة، أو كان توظيفاً نفعياً له فيما وافق طموحها الذاتي إلى إخراج بريطانيا من قلب النظام العالمي، ووراثة عرشها في قلب المنطقة العربية، خصوصاً وقد صار بعض دولها الناشئة خزاناً للثروة النفطية البازغة، وبعضها الآخر أقرب إلى قوس يحيط بخصر الاتحاد السوفييتي، القطب الأيديولوجي المناوئ لها على الهيمنة العالمية. أما الصين اليوم، فلا تبدو متعجلة لوراثة الهيمنة الأمريكية، سواء لأن بعض عناصر قوتها الشاملة لم تكتمل بعد، خصوصاً على صعيد التكنولوجيا البالغة التقدم كالرقائق الإلكترونية والذكاء الاصطناعي، أو لطبيعة ثقافتها، التي تتسم بالحكمة والحذر، والتي تفضل انتظار نضج الثمرة وسقوطها على الأرض بدلاً من الوثوب عالياً لاقتطافها من الشجرة، كي لا تتعرض إلى التواء الساق عند الارتطام بالأرض. وربما يفسر لنا هذا الفارق في الجهوزية التقنية والثقافية سر تلكؤ الصين في إبداء الدعم الصريح والحاسم لإيران ضد أمريكا، رغم كل ما يجمع البلدين من مصالح نفطية وجيوسياسية.
أما الاختلاف الثالث، فيتعلق بالقيمة التاريخية لزعامة جمال عبد الناصر في لحظة السويس، والتي يفتقدها ملالي إيران في لحظة هرمز. لقد كان ناصر زعيماً وطنياً، يتبنى قيماً حداثية، دافع عن حق مصر والأمة العربية في التحرر والتقدم من الهيمنة الغربية على قناة حفرها المصريون بأيديهم ودمائهم في قلب أرضهم، ولذا انشق الغرب حوله، وسايرته أمريكا إلى حين، أملاً في استقطابه، ما أتاح له القدرة على المناورة السياسية. أما نظام ولاية الفقيه فيمثل حكما ثيوقراطياً، يعادي حركة التاريخ، نقل المعركة من الدفاع المشروع عن أرضه ومشروعه النووي إلى السيطرة على مضيق دولي، محتبساً حرية الملاحة.
هكذا تظل المقارنة مشروعة بين اللحظتين، لكن يتعين علينا إدراك أهمية الاختلافات الثلاث، التي تجعل الأفول الأمريكي مجرد تراجع تدريجي بطيء عن الهيمنة القطبية المنفردة، عكس الأفول البريطاني الذي جاء سريعاً وحاداً أقرب إلى السقوط عن عرش القطبية نفسه.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة