الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

حدود الشراكة بين مصر والصين

9 سبتمبر 2026 00:03 صباحًا | آخر تحديث: 9 سبتمبر 00:03 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
في صراعهما على قيادة العالم تمتلك الولايات المتحدة ميزة كبيرة على الصين، فالأخيرة تظل قوة عظمى بالمعنى الاقتصادي فقط، لم تجرب نفسها كقطب استراتيجي لديه قواعد عسكرية منتشرة في أنحاء العالم الأربعة، وأساطيل تجوب أعماق البحار والمحيطات، وحاملات طائرات تطوف في فضاء الكوكب كحال الولايات المتحدة الأمريكية، التي تظل هي القطب الاستراتيجي الأعظم في عالم اليوم، وفي الأجل القريب وربما المتوسط.
لكن الصين، في المقابل، تملك ميزتين أساسيتين: الميزة الأولى هي براءتها من الإرث الثقيل للهيمنة الأمريكية، والذي أخذ ينعكس بوضوح على انخفاض منسوب الثقة بها من قبل الحلفاء والأصدقاء، وارتفاع منسوب الشك فيها لدى المنافسين والأعداء. أما الميزة الثانية فهي أن الولايات المتحدة تستهدف الانفراد بالهيمنة على العالم، وهو الأمر الذي يفرض عليها القضاء على طموحات المنافسين جميعاً، ومن ضمنهم الصين نفسها، بما تستلزمه تلك المهمة من صراعات تثقل كاهلها وتربك خطاها، على النحو الذي نراه الآن.
أما الصين فتسعى فقط إلى الشراكة في الهيمنة، أو في قيادة ما تسميه عالماً متعدد الأقطاب. ومن ثم فليس مطلوباً منها الاشتباك العنيف مع الولايات المتحدة، بل يكفيها سد الفراغ الذي تتركه خلفها في أنحاء الجغرافيا العالمية. هذا الأمر يمنح الصين أريحية كبيرة، إذ يتيح لها الاكتفاء بردود فعل ذكية من دون الحاجة إلى المبادرة، وكأنها فريق لكرة القدم لا يحتاج من المباراة إلا إلى نقطة التعادل، فيكتفي باللعب على الهجمة المرتدة، خلف خطوط المنافس المندفع للهجوم، من دون حذر كافٍ تتطلبه لعبة الأمم على رقعة الشطرنج الكبرى.
يكشف لنا هذا الفهم حدود العلاقات المصرية الصينية، المفترض أنها ارتقت بزيارة الرئيس الصيني الأخيرة للقاهرة إلى مرتبة الشراكة الاستراتيجية. ففي اعتقادي أنها ستظل شراكة اقتصادية وتقنية في المقام الأول والثاني، إذ لم تحضر الصين إلى مصر بدافع مكانتها الاستراتيجية والعسكرية ودورها المحوري في العالم العربي والشرق الأوسط، ولا بهدف إخراج القوة الأمريكية العظمى من الإقليم والحلول بديلاً عنها، ولا لهدف إخراج مصر من معادلة الصراع العربي الإسرائيلي، كحال الولايات المتحدة مع مصر قبل خمسة عقود، عندما مدّت جسور الصداقة معها بهدف اقتلاع الوجود السوفييتي من المنطقة، وترسيخ معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، ولأجل ذلك قدّمت للقاهرة مساعدات اقتصادية كبيرة، وإن تقلصت قيمتها الاسمية وتضاءلت نسبتها إلى الناتج القومي المصري الآن، فضلاً عن مساعدات عسكرية.
يترتب على ذلك أن الصين لن تمنح مصر مساعدات اقتصادية وعسكرية، على سبيل المبادلة مع مكانتها الجيوسياسية، لأن الحضور الصيني العسكري الكثيف في المنطقة ليس وارداً في المدى القريب. والحقيقة أن ذلك ليس أمراً سيئاً في ذاته، فالمساعدات الاقتصادية التي قدمتها أمريكا لمصر لم تغير بنيوياً في أوضاعها، بل إنها شكَّلت شبكة مصالح مثلت عبئاً على كثير من قطاعات الاقتصاد الوطني، وربما شوَّهت خطط التنمية. والأهم من ذلك أن الصين، في المقابل، ستكون منفتحة على نقل التقنية بالكثافة المرغوبة إلى مصر، لرغبتها في اغتنام موقعها الجغرافي في التصدير لإفريقيا، وبلدان أخرى في الشرق الأوسط، وهو تطور يصعب حدوثه إلا بتوطين التكنولوجيا والتصنيع الكثيف في مصر، خصوصاً في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، بما قد يتبع ذلك من استيراد مصر منظومات السلاح الصيني المتقدم، خصوصاً طائرات الجيل الرابع المعدل والجيل الخامس، ولكن لحاجاتها الذاتية.
والسؤال الأهم هنا: هل تستطيع مصر أن تنتهز الفرصة المتاحة للتحرر من الهيمنة الأمريكية، وأن تفتح أبوابها الواسعة للتقنية والسلاح الصينيين؟ ثمة إجابتان مختلفتان: الإجابة الأولى صريحة في الإثبات، لكنها ليست سهلة في ظل حالة الانكشاف التي يعانيها الاقتصاد المصري وأزمة الديون الكبيرة، والتي تتيح للولايات المتحدة فرصاً هائلة للضغط عليه بمؤسسات التمويل الدولية، وها هو الحديث يدور عن ممانعة أمريكية لصفقة الذكاء الاصطناعي التي تريد الصين من خلالها تحويل مصر إلى مركز متقدم للتصدير إلى الأسواق الإفريقية، فيما تدفع أمريكا بعض شركاتها الكبرى لتقديم صفقة بديلة إلى مصر، كي تبقيها في ظلها، سوقاً خالصاً لها. أما الممانعة الأكثر صخباً فسوف تتبدى إذا أرادت مصر الاعتماد على السلاح الصيني، وربما تحولت الممانعة إلى عداء صريح أعتقد أن مصر لم تستعد له بما يكفي من الجاهزية. أما الإجابة الثانية التي نتوقعها فمراوغة، تحاول المواءمة بين القطبين، لكنها للأسف لن تكون مفيدة، بل ستضيع الفرصة على مصر، التي ستخسر الرهان الصيني الكبير، ولن تستطيع إقناع أمريكا بالرهان عليها ولو رهاناً محدوداً، لأن إسرائيل تقف عقبة على هذا الطريق. فالسلاح الأمريكي المتاح لمصر لا بد أن يكون من الدرجة الثانية قياساً إلى ما لديها، والتقنية التي يمكن أن تحصل عليها مصر، ستكون مفاتيحها في يديها، وتحت رقابتها، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة