لعبت التكنولوجيا أدواراً مركبة، متعددة ومتناقضة، في حياة البشر، لعل أكثرها أصالة هو زيادة ممكنات الإنسان عبر تطوير حواسه الأساسية ليرى ما هو أبعد وأصغر، ويُصغى إلى ما هو أدق. وأكثرها أخلاقية يتمثل في تحرير العبيد، تلك المهمة التي لم تكن ممكنة، رغم نبلها، من دون الآلة التي حلّت محل الإنسان في بذل الجهد العضلي الشاق، سواء لحمل الأشياء وجرها أو لرعاية الأرض وفلاحتها، ما أتاح إعادة هيكلة النظام الاجتماعي ليقتصر على مواطنين أحرار، قد يحتل بعضهم مواقع دنيا على صعيد الثروة والسلطة، يعانون فقراً أو تهميشاً، لكنهم على الأقل صاروا يملكون حرية أرواحهم. أما أكثر أدوار التكنولوجيا إشكالية فقد صاحب ثورة الاتصالات والمعلومات، التي نحتت الفضاء الرقمي، وأنتجت وسائط التواصل الاجتماعي، وبشرتنا بعالم جديد رائع، يستطيع الإنسان فيه أن يصبح مواطناً كوكبياً، يستمتع بدفء التواصل مع باقي أفراد القرية العالمية.
والبادي لنا أن تلك البشارة، إن لم تكن خاطئة، فإنها مبالغة حسب قراءة هادئة تميز بين الاتصال التكنولوجي كقنوات لتبادل الرسائل عبر وسائل تنتمي في النهاية إلى عالم الآلة ولو امتلكت مقومات الذكاء الاصطناعي، وبين التواصل الإنساني كتفاعل مباشر يقوم على الحميمية والانفعال الوجداني، فسهولة الاتصال لا تعني بالضرورة عمق التواصل، بل إن هيمنة الاتصال التكنولوجي قد تكون وسيلة لإفقار التواصل الإنساني، حيث إن التعامل الكثيف مع الشبكة العنقودية يغير تدريجياً في طبيعة الفرد النفسية، يحيله من كونه ذاتاً تحتاج إلى غيرها لتشكيل علاقة اجتماعية في عالم واقعي، إلى كونه بنية مستقلة بذاتها، تقف على أطراف عالم متخيل، يحل بديلاً عن العالم الحقيقي من دون قدرة على القيام بدوره في إشباع حاجات الفرد الطبيعية إلى الانتماء والتعاطف والدفء.
كانت الأسرة الممتدة، التي تجمع بين الجد والأب والحفيد في بيت واحد، والموروثة عن العصر الزراعي، قد انسحبت تدريجياً إلى ذاكرة التاريخ أمام زحف الأسرة «النووية» التي ولدت من رحم العصر الصناعي. أما التكنولوجيا الرقمية فدفعت بالمجتمع نحو «الأسرة الإلكترونية» القائمة على الفرد وحده مع عدته الاتصالية. وبينما كان التلفزيون، رمز الثورة الصناعية الثانية/ الحداثة، محوراً لانشغال الأسرة النووية، قادراً على جمع أعضائها أمام مباراة مثيرة لكرة القدم، أو عمل درامي جذاب يتبادلون الحديث حول قضاياه المثيرة، فيتولد لدى الجميع مساحة من الاهتمام المشترك تعكس روح الأسرة بطريقة تلقائية، بات التليفون المحمول هو رمز الأسرة الإلكترونية، أما وسائط التواصل الاجتماعي فأصبحت هي سرها الكبير.
ورغم أن التلفزيون لا يزال موجوداً كشكل وبنية، فقد خضع كدور ومضمون لمنطق ما بعد الحداثة، حيث تعددت قنواته/ رسائله في ظل الفضاء الرقمي الشاسع إلى حد لم يعد ممكناً معه أن يتفق شخصان على أولوية رسالة معينة اللهم إلا في حالات شديدة الاستثناء، كمباريات المنتخبات الوطنية لكرة القدم، والكوارث الطبيعية، والصراعات العسكرية، والثورات السياسية. وعلى هذا لم يعد هناك تلفزيون «الأسرة/ المنزل» بل صار هناك تلفزيون «الحجرة/ الشخص» يتيح لكل فرد إحكام بابه على نفسه، والذوبان الكامل في عزلته، وهو يتلقى رسالته المفضلة. أما وسائط التواصل الاجتماعي، فعمّقت اغتراب الإنسان حتى عن أولئك الذين يجاورونه في البيت نفسه، وذلك بفعل عملية مزدوجة التأثير: فمن ناحية تلتهم تلك الوسائط جغرافيا الكوكب، ليصبح الفرد في أستراليا والولايات المتحدة، على مسافة لا تزيد على تلك الممتدة من عينيه وأذنيه إلى شاشة الكمبيوتر أو التليفون الذكي، ويصير العالم مجرد حجرة وليس فقط قرية صغيرة. ومن ناحية أخرى تزيد تلك الوسائط المسافات الفاصلة بين سكان البيت الواحد: الأخ والأخت، الأب والأم، أو الزوج/ الزوجة، ليصبح صاحب الغرفة المجاورة بعيداً جداً، غير موضع للاكتراث أحياناً.
وبالطبع لا يتوقف مسار الابتعاد عن القريب والاندماج في البعيد عند مستوى الاهتمام، بل يصل تدريجياً إلى مستوى التعاطف، فمع طول اهتمام الشاب بقضية صديق أمريكي يحاوره، أو صديقة أوروبية تبادله الاهتمام، ينسحب إلى وعيه مضمون قضاياهما، وتصير المرجعية الأخلاقية لهما إطاراً مرجعياً للفهم. وفي المقابل تتضاءل قدرة الشاب نفسه على تفهم قضايا وشواغل المحيطين به. ولكن هل معنى ذلك أن الإنسان صار قادراً على استبدال انتماء قريب بآخر بعيد ومن ثم فهي حركة تواصل كوكبي تتسم بالديمقراطية، يحل فيها الصديق محل الشقيق، والبعيد محل القريب؟
الإجابة للأسف بالنفي. فمع وقوع حادث بسيط يدخل الفرد على أثره إلى مستشفى، أو أزمة في العمل تحتاج إلى مساندة، يكتشف الإنسان تلقائياً كم عوَّل على عالم تمثيلي/ وهمي ينطوي على القليل من الحقيقة، وربما سقط فريسة للشعور بالفراغ الوجداني الناجم عن ذبول المجتمع الكلاسيكي وعلاقاته الحميمة، حيث تتراجع قيم التكافل والتعاطف، وتزداد حالات الطلاق والانفصال العاطفي، مع نمو الشعور بالقدرة على الاستغناء في إطار مجتمع يقوم على الفردانية المطلقة والآلية الكاملة.
